225وتراخت الأيام؛ ذلك لأنهم يرون فيه بقية من مجد دينهم السالف امتزج بروحهم امتزاج النور بالهواء ، لا يتنسى لمحلل أن يفصم ما بينهما ، ولا لمعترك الحياة أن تمحو أثرهما .
يتذكر المسلمون ما غبر من تاريخ هذه البلاد ، وتمرّ بخيالاتهم أطياف مما عمل سكانها ، ويستنبطون ما في الأرض ويستظهرون ما على ظهرها بها فيشرفون من حال إلى حال ، ويجدون أن دهرهم هدم منهم العناصر الحية ، فتناثرت رفاهيتهم وذاقوا بأسهم ، فكأنهم هم الموتى ، وكأن أسلافهم أضفت عليهم الحياة أثوابها ، فتلك آياتهم متجسمة تفرغ حياتها وتشرق نورانيتها على هذه المشاعر الكريمة ، وتسطر كلماتها في الأرض إلى نهاية الدنيا؛ ليقرأ فيها معاني الإخلاص والوفاء والرحمة ، وناهيك برجال استلهموا الفطنة فما كذبتهم ، وعالجوا الهموم فما صرعتهم ، وقطعوا الشك يتلجلج في الصدور بقوة يقينهم ، ومحوا الخوف يذهل النفوس بصرامة إقدامهم ، فإذا دين اللّٰه يزيد أتباعه ولا يقلّون ، وينفذ شعاعه في رفق وتؤدة حتى يستفيض على الجزيرة وما حواليها جميعًا في مدى لا يتجاوز العشرين عامًا ، وهي في عمر الدهر لم تكن شيئًا مذكوراً ، فكانت هذه المعجزة الإنسانية الكبرى التي تفيأ ظلالها كلّ لاجئ والمنارة الوضاءة لمعاني الإخاء والمساواة إذا رغبت الناس في نعمى الحياة ، واهتدوا إلى دين اللّٰه .
أفكان من الغريب أن يشرع اللّٰه من فضله فريضة الحج ويجعلها أحد أركان الدين الخمسة؟! ليصل المسلمون حاضرهم بماضيهم ، ويغذوا مشاعرهم بذكريات أسلافهم ، ويترسموا في دنياهم خطى رجالاتهم؛ ويعلموا أن المسلم أخو المسلم لا يفرق بين الأخوين اختلاف مكان أو تفاوت لسان أو ألوان ، وهذه بقعة الحج تجمع بينهما على بعد المكان ، وتغرس الود في نفسيهما على تقوى من اللّٰه ورضوان .
إذا أذن مؤذن الحج رأيت صدى دعوته يتجلجل في جنبات العالم الإسلامي ،