303عمليات التعويض المتبادل أو التكافؤ المتبادل ، فقصَّ لنا القرآن كيف أن قوانين الأمّة تنسكب في حالات نادرة في الفرد : [إِنَّ إِبْرٰاهِيمَ كٰانَ أُمَّةً ] .
فعل كان الناقصة يحكي عن ماضٍ بالنسبة لنا وعن ماضٍ بالنسبة لزمن إبراهيم ، أي زمن «سلطته الاجتماعية» فالملاحظ أن التأسيس الاجتماعي له علاقة بعلم النفس وتحويلات الفرد إلى أمة ،والأمةإلى فرد ،وأنّ هذهالسايكولوجية يجب أن تسبق التأسيس بأي فاصل زمني . . . وبالمقابل فلا بد للفرد أن يكون بمستوى الأمة وحتىٰ يتسنىٰ هذا عليه أن يجرب كيف تكون الأمة فرداً . . الحج يتعهد بكلا المعادلتين . . الأمة التي تتوحد فيها المراحل والرموز والإبداعات وقوانين الاجتماع تتحول إلى ظاهرة فرد عظيم متماسك الخطى والدواخل والسلوك .
ولعل ذاكرة الحاج العائد من رحلة المناسك تسعفه بمشهد التوحّد ، وكيف كانت الكعبة هي المصهر التي تتصاعد فيه المركبات نحو مزاج واحد متميّز؟ فالبيت الحرام - ومنذ البناء - كان سقفاً لما يجب أن تكون عليه حركة الاجتماع البشري ، ولما كان كائناً فعلاً . . أي الجمع بين كينونة المجتمع وبين صيرورته . . وبهما ينجز مستقبل أي بناء وقاعدة ونظام .
بناء القواعد والمقام له آثار نفسية ومعنوية كبيرة قد لا تبرز دفعةً واحدة ، فبناؤهما يقرّب بين القانون وبين ظاهرته الطبيعية أو الاستثنائية ، وهي علاقة الفعل الاجتماعي المحايد . . إذ ربما ينحرف مسار الظاهرة الاجتماعية بَيْدَ أن شموخ القواعد والمقام يضطر الظواهر الاجتماعية الإسلامية إلى الاتجاه الصحيح . فلا خلودَ للانحراف في أمّة المسلمين وثقافتهم ، ولا انكماش في وعيهم ونفسيتهم ومشاعرهم . لقد حرك الحج مشاعر الكبار والصغار من الطامعين والطامحين ، وأدىٰ بهم أن يتطبعوا على مشاعر المسلمين ولغتهم ، وبدوا علماء في الاستشراق وقادة فكر ، ونقصد «بعضهم» والحال أخفقوا ليس في مطالبهم العلمية أو معلوماتهم إنما مُنو بخسارة في عدم وعيهم وتطبعهم