304على السايكولوجيا الإسلامية ، التي تبرز أكثر ما تبرز في مراسيم الحج ودوراته الطبيعية .
الإشارة الخامسة :
ولكم تبدو مبادرة إبراهيم وإسماعيل بناءةً للتأمل المتواصل . . الأب والإبن حين بنيا الكعبة . . . وأنجزا الإذن للناس والضيافة لهم في بيت اللّٰه . فوجود الجهد الإسماعيلي إلى جنب المقاومة الأبوية الصادقة يشير - من بعيد أو قريب - إلى الامتداد والتلازم الجيلي والمرحلي في ضرورة التواصل بتأسيسات إبراهيمية على المدىٰ . فمتىٰ وجدت الجيلية في جهد ما فإن التجديد ينبثق حتماً ويعبر عن نفسه بشكل تيارات ومدارس ومنهجيات ورموز وأبطال ، تجمعها سنن التاريخ الطبيعية من جهة ، وسنن الخصوصية من جهة أخرىٰ . .
لقد حسم بناء الكعبة مفهوم الاتجاهات المنحرفة والفوضوية والبلاهة في التعبد والقربىٰ على صعيدي التفكير والسلوك معاً ، وأبرز معطيات السنن الدينية للاجتماع المطلوب . وفيما كانت مفاهيم الأصالة والمعاصرة تدور على شكل إيماءات غامضة وشعور أبعد ما يكون عن المصطلح المعاصر ، فإن القواعد الإبراهيمية ترشح لنا المراجعة الأصولية لكل بناء تاريخي . الأصالة حالة ضاربة في أعماق الذات ترمزت بقواعد البيت ومقامه ، ويبقىٰ أمام الديني الحاج تحويل المعاصرة وربطها بالأصالة . والحقيقة أن ثنائية الأصالة - المعاصرة سجلت إشكالية مزمنة أمام أغلب التنميات العالمية وعلى طول الخط . . لم يكن بمقدور الأصالة أو المعاصرة أن ترتبط بمشروع نامٍ ما لم يكن سيد المشروع يمتلك حصانة عالية في التجاوز والاستيعاب .
زمن النبي إبراهيم عليه السلام وإنسانه كان يوفر هذه الحصانة وطاقة التجاوز والاستيعاب ، وكذلك الاختراق والمبادءة باتجاه كل المعطلات والمحايدات .
بهذه الإشارات وغيرها يطرح لنا بناء الكعبة بذلك الشكل والمضمون .