302من كل مقاييس الوحدات الزمنية الحديثة . . ولا ضير إذا افترضنا أن الزحف الجماعي إلى الكعبة كان مسبباً وباعثاً علىٰ حب النظام واحترام السيادة ، والاشتراك بالإرادة وحب الجهاد والكفاح من أجل حمايته ، والدفاع لأجل تحديده ليغطي الفراغات الأخرىٰ ، وليصبح أقوىٰ موجهات المستقبل . وهذا هو الذي نقل التركيبة الاجتماعية في عصر إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام من الفوضوية والتشظّي والسلبية إلى الإيجابية والتنظيم ، ويلحظ في الاتجاه نفسه كثرة روافد المناسك التي تدل على بهجة الإنسان وتعدد مناحي رغباته ، واتساع رؤيته وأفقه ، وخصوصية خياله وطموحاته واقتراحاته ، فكان تشعبها بهذا الكمّ والكيف ضرورة ومدعاة لإشباع روح العبقرية اللائبة في أصقاع الإنسان المتدين .
الإشارة الرابعة :
ونتفهم أيضاً البعد السايكولوجي للمناسك حينما لا يكون الشكل والأشكال المحيطة آنذاك بالإنسان كافية لإشباع مشاعره وعواطفه وعندياته ، إن إنسان عصر إبراهيم كان توّاقاً ويشعر بالكونيات ، وتحدوه رغبة للإطلالة على آفاق الكون والنفس ، والتشبيك بينها والحياة في ظلالها وتمثيلها على أرض الواقع ، بمعنىٰ أنه يبحث عن مدخل وعن قناة وممر صالح . . عن مرآة وصفحة رقراقة تنعكس في عالم القربىٰ عبر نية الحج والمناسك . . وحين تسود ثقافة «النية والقربىٰ» على تحركات الإنسان والحاجّ فإن العفوية والتلقائية تكون إحدىٰ معالم شخصيته .
ولقد حدث في زمن الخليل عليه السلام تقابلٌ بين إنسان حاجٍّ زاخر بالحيوية والانطباعية الجميلة الشفيفة وبين مناسك مقدسة متشابكة على الطبيعة ، فأدىٰ هذا التقابل إلىٰ تسوية المفاجأت وإبدالها بالعفوية والإيحاء . إذ لم يكن الحاج ليفجؤ من قوة هذه المواجهة واللقيا بين مشاعره ومناسكه بقدر ما كان يحذر من عدم لحوق الآخر به وبتياره الإبراهيمي . . الحاجّ آنذاك يخشىٰ من تداعي الجماعة الأخرىٰ . . من انفراط العلاقة بين الفرد والمجتمع . . فانصَبَّ جهده - ومن كوة الحج - عن إحداث