301إن عملاً عملاقاً كبناء الكعبة وتشييد قواعدها والمقام ، ومن ثم دعوة الناس إلى التروّد إليها كان شبه معطّل وممنوع على غيره عليه السلام من الأنبياء ، ولا شك أن إنجازه كان حلماً آدمياً ونبويّاً ناضل الموحّدون من أجله منذ أن استقرت في القناعة مفاهيم العبادة والتقرب إلى الخالق .
غير أن الإقرار بالتأسيس الإبراهيمي تاريخياً لا يستقيم ما لم يكن الواقع الاجتماعي محرراً ومنحازاً بغالبيته إلى النبي الخليل عليه السلام ، فالكعبة تتجاوز حال بنائها الجانب الاستعلامي البسيط وأن وراء مناسكها قوة أعظم ، وأن الدفاع عنهما ليس الدفاع عن سور أو حرمة أو جهدٍ .
إنها أبعد من كل هذا بكثير . . إنها لخصت الجهد الأنبيائي العظيم وكثّفته على أساس قواعد ومقام وقيام ، ومع لحاظ شكل البنيان وعدم تشابه العمارة لطراز آخر يقص لنا أن الإبداع الاجتماعي آنذاك قائم على ذوق فني عالٍ ، وهذا الذوق يعكس حالة النبوغ الفني الذي تنشر إيحاءاته وحضوره الشعوري في الحوار والتأسيس والبناء ، بحيث يصحُّ لنا القول : إن بناء القواعد كان فاصلة بين طورين مرَّ بهما الفن الإنساني . . طور ما قبل تأسيس القواعد وآخر ما بعده . إذ عبّأ إبراهيم وولده عليه السلام أرقى المجهودات والمركبات الفنية والجمالية في الطراز الكعبوي ، لا يمكن تلمّس هذا ما لم تكن دعوة الناس للحج قد دمجت بين النزوع الإنساني الذي كان يعبر عنه الاتجاه الموحِّد في زمن الخليل عليه السلام وبين الإرادة الربانية . . ولأول مرة انسجم التفسير الديني للتاريخ على المكان والطبيعة والشعور ، ولذا كان عليه السلام أمام محددات ذهنية وقبال موضوعات وتعريفات غير متداخلة ، ولا بدَّ من تحليل مستقبل ومصير الديانة على ضوئها .
زحف الجموع إلى الكعبة على مسافة سنة من عمر الإنسان يحكي لنا أن الوحدة الزمنية كانت حاضرة ، وكانت تشكل منهجاً لقياس الجهد الكبير والصغير ، وأن هذه الوحدة الزمنية في الحج هي اللحظة «لحظة القربىٰ» ، وهي أدق