300
الإشارة الثالثة :
دلالة القواعد والمقام في سياقات الخطاب القرآني الخاص بالحج تدل على نضوج في لحظة التأسيس ، وعلى وعي تام بمستقبل الحركة التأسيسة ، تلك اللحظة الانقلابية كانت فاصلة بين ثقافتين وممارستين . . لحظة اقترنت بالأمر الإلهي فجاءت عبارة [وَ أَذِّنْ فِي النّٰاسِ بِالْحَجِّ] بعد إنجاز البنيان واستكمال البيت ، والذي تخلله تثبيت المقام الخاص بالخليل وانطباع أثر قدمه عليه السلام عليه ، ليؤشر أن البنيان صاحبته معجزة وقدرة غير طبيعية .
التأسيس الإبراهيمي كان بمثابة الدعوة إلى النظام الاجتماعي العام المتسق والذي يفهم منه أن غالبية المجتمع آنذاك كان موحداً - حنفياً - إذ لم يكن البناء ودعوة «الناس» إليه من كل فج عميق من قبيل الأعمال الأدبية أو الشعاراتية أو التعبيرية أو الادعائية ، ورغم أن كل عمل جبار يستلزم الاستعلام به إلّا أن الخليل كان قد أعد التأسيس للتجارب العملية .
الوقائع تكشف بما لا يدنو لها الشك أن التيار التوحيدي في عصر الخليل عليه السلام كان ضارباً وبنصاب مجتمع يمتلك مقومات الحركة الكلية والتاريخية ، وأن الخطاب كان يقتضي مفهوم ومصداق الناس لا على التبعيض . والتيار الإبراهيمي له حضور فاعل في مختلف النشاطات ، فعصره عليه السلام بعد أن قطع شوط دعوته العقيدية الاحتجاجية الأول ، اتجه نحو توثيق السلام فانحل الُيمن والأمن والثراء الاقتصادي ولوائح النظام . كما أن قوة التأسيس كانت ولابدَّ مرتبطة بعقلية قانونية ودراية كبيرة بفقه القانون ، وأن أي تأسيس تصاحبه حركة نقدية وفنية وأدبية وإبلاغية ، حتىٰ تنفذ صورة التأسيس إلى الذهنية والشعور الاجتماعيين آنذاك .
بمعنىٰ أن بناء الكعبة ودعوة الناس إليها أو ما يسمىٰ بالتأسيس الاجتماعي يشير إلى انبساط مفاهيم العقيدة وأوامر الخليل إبراهيم ، وهو ما يفيدنا أنه عليه السلام أول من اتجه لصياغة مفهوم السيادة في الدولة وإجراء النظام على الجماعة .