119
لقد حسم شريعتي خياره، وقرر استخدام المناهج الغربية في دراسة الدين والاجتماع الإسلامي، ولم يتوقف عند الجدل الواسع الذي لما يزل محتدماً، حول مشروعية دراسة الدين والمجتمعات الإسلامية، بمناهج مستوردة من أديان ومجتمعات أخرى. فبدلاً من اصطفافه بجنب أحد فرقاء الصراع، واستنزاف تفكيره في التدليل على مشروعية أو عدم مشروعية ذلك، بادر لحشد مختلف المناهج في دراساته، ولم يتردد في انتقاء واستخدام أي مصطلح أومفهوم، يحسبه مناسباً لحقل بحثه.
وكأنه، بمغامرته هذه، أراد القول: إنّ السبيل الأمثل لاختبار المناهج وأدواتها هو بتطبيقها مباشرة على ميادين معينة. وإن اكتشاف ماتتمخض عنه عملية التطبيق من معطيات، هو معيار اختبارها. كما أن نتائج التطبيق ستقودنا إلى استئناف النظر في بعض المناهج، وإمكانية تمثلها في سياقات حضارية أخرى، فنستبعد منها أونختزل مالايتسق مع بيئتنا، أو لايمكن توطينه ودمجه في محيطنا الثقافي.
وقد صرح شريعتي بأنه يعمل في دراساته على صياغة رؤية اجتماعية من منظور إسلامي، فمثلاً يلمح إلى محاولته هذه بإشارة دالة قائلاً:
«باعتبار تخصصي العلمي هو في علم اجتماع الدين، وهذا التخصص منسجم مع عملي، فإنّي أسعى لتدوين نوع من علم الاجتماع المرتكز على الإسلام والمصطلحات المستوحاة من القرآن والحديث»6.
إلّا أنه في مناسبة أخرى يوضح أن دراساته لاتتناول المفاهيم المودعة في المصنفات التراثية، مثلما لاتهمه طبيعة هذه المفاهيم في وعاء الذهن، وإنّما تنصب جهوده على تمثلها في التاريخ، وأنماط تجليها في الاجتماع البشري. فمثلاً يتحدث عن التوحيد الذي يتناوله في دراساته بقوله:
«أعني بالتوحيد حضوره في التاريخ والمجتمع، لا مفهوم التوحيد في عالم الكتب، أو عالم الحقيقة. فليس حديثي بشأن التوحيد الذي تحدث