118
الاقتصاد، وفلسفة التاريخ، والانثروبولوجيا، والميثولوجيا، وهيمنت على عقله الفلسفة الاجتماعية الفرنسية والألمانية أكثر من سواها، لكنه ظل أقل تعاطياً مع مقولات الفلسفة والآراء الفلسفية، ربما بسبب تخصصه ودراساته في الاجتماع ومقارنة الأديان.
وكان يدرك أنه اجترح درباً لم يمهد من قبل لدى الدارسين في ديارنا، فالدراسات الإسلامية في الحواضر العلمية المعروفة، وكليات الدراسات الشرعية تستعين بالمناهج والأدوات الموروثة، ولاتتقن، وربما تخشى، التعاطي مع مناهج العلوم الاجتماعية الحديثة.
ولعل روح الاقتحام التي اتسمت بها شخصية شريعتي، هي ماحفزه للسير في ذلك الدرب، والمغامرة بالمضي فيه حتى النهاية، بالرغم من الهجاء البالغ القسوة الذي تعرض له، وشتى ألوان التهم، وفتاوى تفسيقه وضلاله. إنه كان مدركاً بما يحف بمغامراته من مخاطر، وما يكتنفها من مزالق، باعتباره يدشن نمطاً جديداً في دراسة الدين والاجتماع الإسلامي، مستنداً إلى مفاهيم ومناهج مختلفة. فقد تحدث عن ذلك بصراحة: «أهم درس استطيع أن أعطيه لطلابي كمعلم، هو أن عليهم، لأجل معرفة عميقة بالدين، انتهاج سبيل العلماء غير المتدينين، بل المناهضين للدين، أوحتى من كان ينشد محاربة الدين.
أنا أسلك هذا السبيل، وأتحدث بنفس اللغة المنددة بالدين، والمتنكرة لدعائمه الغيبية، تحت عناوين: علم الاجتماع، والاقتصاد، وفلسفة التاريخ، وعلم الإنسان. إنّي أتحدث بهذا المنهج الذي أعتبره أفضل المناهج لمعالجة المسائل العلمية والإنسانية. إنه المنهج ذاته الذي نهجته أوروبا منذ القرن الثامن عشر، لدراسة مشكلاتها الإنسانية بجميع أبعادها، ومناوءة الدين في المجتمع. سوف أعالج قضايا الدين حتى من منظور طبقي اقتصادي، لكن بموضوعية، ومن دون تعصب وتحيز ما استطعت»5.