106
لا يرتابها القنوط من رحمته تعالى، وكيف يداخلها اليأس من رحمته وهي في ضيافته تعالى؟ ! وهم يقرأون ويسمعون قوله تعالى: «
قُلْ يٰا عِبٰادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ لاٰ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» 1
ويقرأون ويسمعون أيضاً قوله تعالى: «
. . وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ
إِلاَّ الضّٰالُّونَ» 2
؟ ! إنه الانقياد الخالص للّٰهتعالى والتسليم له والطاعة المطلقة
لإرادته والامتثال لأوامره والتطبيق الجاد الكامل لها، والثقة العالية بعفوه ورحمته ورضاه. وإنه الحكمة البالغة أن يبتلي اللّٰه عز وجل عباده ببذل المال والجهد للوصول إلى بيته المكرم للطواف به والتعبد عنده والتضرع بجواره، وهو لم يكن من زمردة خضراء و لم يكن من ياقوتة حمراء ولم يكن من نور وضياء، وهي نفائس تستحق أن يشدّ لها الرحال، وتستحق أن يتحمل من أجلها الإنسان العناء والمخاطر، وبذل المال، وفراق الأهل والأحبة، إذا ما قسنا الأمور بالموازين الدنيوية، وأن الإنسان ميّال للمال وللمتعة والراحة والدعة «
وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ» 3
، أما أن يتحمل الحاج كل ذلك للمجيء إلى بناء من البساطة بدرجة
كبيرة متكون من أحجار وصخور وطوب، ضمته أرض جرداء تحيطها جبال صماء، كل شيء فيها يتصف بالجفاف والشحوب بل وحتى بالذبول، ليعبد ربه ويستغفره ويتضرع إليه في تلك الأيام التي باركتها السماء. فهو أمر يحتاج إلى رصيد إيماني راسخ ويقين ثابت وقناعة بما يترتب على ذلك من أجر وثواب، ويحتاج أيضاً إلى صبر ومثابرة ومجالدة لهوى النفس ومجاهدة لرغباتها في الدعة والاسترخاء، وبغضها للمتاعب وركوب المخاطر.
إنها إرادة اللّٰه تعالى في أن تكون نوايا القاصدين والذين يؤمّون بيته الحرام نابعة من وعي وإيمان، ومن معاناة صادقة خالصة من كل شائبة مادية ودوافع