105المجاهد، ويبتليهم بضروب المكاره» .
فمصارعة الشك، وروي مضارعة الشك بالضاد المعجمة، ومعناه مقارنة الشك ودنوه من النفس، وأصله من مضارعة القدر بكسر القاف وتسكين الدال، أي إذا حان إدراكها، ومن مضارعة الشمس إذا دنت للمغيب. ويذهب الراوندي - كما يذكر ابن ابي الحديد، في تفسيره لهذه الكلمة (مضارعة الشك) - إلى أن معناها:
مماثلته ومشابهته. ولكن ابن أبي الحديد يستبعد هذا لأنه لا معنى للمماثلة والمشابهة هاهنا، كما يذهب أيضاً إلى أن الصحيح مصارعة الشك بالصاد المهملة.
ولنفى معتلج الريب: أي اعتلاجه، ومعتلج مصدر ميمي من الاعتلاج أي الالتطام، اعتلجت الأموال أي التطمت. فيكون المعنى: زال تلاطم الريب والشك من صدور الناس، أو لنفى اضطراب الشك في القلوب.
يجيب أمير المؤمنين عليه السلام عن هذا بقوله: «إخراجاً للتكبر من قلوبهم، وإسكاناًللتذلل في نفوسهم، وليجعل ذلك أبواباً فتحاً إلى فضله، وأسباباً ذللاً لعفوه» .
إذن هذه هي النتيجة لكل هذا الامتحان والاختبار. فما أعظمها من نتيجة! وما أجملها من جائزة! إنها أبواب إلى فضله وأسباب إلى عفوه. ونبذ للباس التكبر وهوخلق -كما تعلمون -رديء، وتثبيت للتواضع في النفوس وهو خلق -كما تعلمون - عظيم. وهو ما يجعل فريضة الحج موقعاً ومناسك مدرسة تربوية أخلاقية ميدانية رائعة، لاتجد لها مثيلاً على الإطلاق. هدفها الأكبر وغايتها العظمى تربية الإنسان فرداً ومجتمعاً، فيعود إلى أهله ومجتمعه مبلغاً -مبشراً ونذيراً - فتتواصل عملية البناء في المجتمعات الإسلامية وفيما بينها وتنمو، وتتكامل النفوس وتتعزز الأواصر وتتمتّن العلاقات على أسس إيمانية واعية.
لقد راحت كلمات أمير المؤمنين عليه السلام ترسم الحكمة العظيمة والفلسفة الرائعة لموسم الحج، وقد امتحن اللّٰه تعالى عباده بهذه المواقع، فراحوا - نفوساً وأجساداً - يطوفون بها خاشعة أرواحهم آمنة مطمئنة، وهي تتزاحم لاستلامها والتبرك بها،