194روى أحمد بن حنبل باسناده عن جرير قال: «كنّا عند رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتاني النمار أو العباء، متقلّدي السّيوف، عامتهم من مضر بل كلّهم من مضر، فتغيّر وجه رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله لما رأى بهم من الفاقة. قال: فدخل ثمّ خرج، فأمر بلالاً، فأذّن وأقام، فصلّى، ثمّ خطب فقال:
يا أيّها الناس اتّقوا ربّكم الّذي خلقكم من نفس واحدة إلى آخر الآية إنّ اللّٰه كان عليكم رقيباً 1. وقرأ الآية الّتي في الحشر: و لتنظر نفس ما قدّمت لغد 2، تصدّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع برّه، من صاع تمره، حتّى قال: ولو بشقّ تمرة. قال: جاء رجل من الأنصار بصرّة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثمّ تتابع النّاس حتّى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يتهلّل وجهه، يعني كأنه مذهبة، فقال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينتقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنّة سيّئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده، من غير أن ينتقص من أوزارهم شيء» 3.
و روى الطبرسي أنّ سائلاً قام على عهد النبي صلى الله عليه و آله، فسأل فسكت القوم. ثمّ إنّ رجلاً أعطاه فأعطاه القوم. فقال النبي صلى الله عليه و آله: «من استنّ خيراً فاستنّ به، فله أجره و مثل أجور من اتبع من غير منتقص من أجورهم، ومن استنّ شرّاً فاستنّ به، فعليه وزره ومثل أوزار من اتبعه من غير منتقص من أوزارهم» 4.
إنّ المقصود من السنة في هذه الرواية إحدى هذه الأمور:
الأول: المبادرة إلىٰ فعل الخير وتعليم الغير إيّاه، وإجراء عادة حسنة شرعاً وترويجها بين الناس، وترغيبهم على ذلك، كمثل إفشاء السلام والابتداء به، وإنشاء المبرّات الجارية وما شابهه. وهذا المعنىٰ مقبول ولكنه بعد إحراز مطلوبيته شرعاً، وإلّا فإذا كان الأمر راجعاً إلى العبادات الشرعية، فبناءاً على توقيفية العبادات، لا يجوز لأحد أن يخترع شيئاً ويضيفه إلى الشارع، ويدخل في عنوان البدعة.
قال النووي في شرح الخبر: «فيه الحثّ على الابتداء بالخيرات وسنّ السنن