265إلى التجرد من أنانيّته وذاتيّته، والتجرد من عوامل تكبّره وتعاظمه، والتجرّد ممّا يدفعه إلىٰ كلّ شرّ ورذيلة.
وفي تجرّده ذلك يمكن له أن ينظر إلىٰ حقيقة نفسه خالية من مظهرها، فتنكشف له وجوه سعيه إلىٰ مصالحه وطموحاته وتطلعاته ليعرف صالحها من سيّئها، ويُخضع نفسه لنقد ذاتي يدعوه إلى السعي للخير والإسراع إلى البرّ والصلاح.
الحجّ دعوة من اللّٰه البارئ موجّهة للإنسان الذي توفرت في قلبه عقيدة طاهرة وإيمان عميق، فإذا هو يستجيب شاهداً علىٰ نفسه أنّه يلبّي في حجّه دعوة إلهيّة. فهو في حجّه يتوجّه إلىٰ ربّه قائلاً: «لبّيك اللّهم لبّيك» مراراً وتكراراً، فلا يكون له في فترة حجّه ذاك من الأعمال والمواقف إلّاما يكون مصداقاً لتلك التلبية التي أعلنها علىٰ رؤوس الملأ، وأعادها وكرّرها لتستقرّ في نفسه، ويُشهد عليها ربّه أولاً، وكلّ من سمعه من الناس.
بالحجّ المبرور يقوم الدليل الواضح علىٰ أنّ وحدة المسلمين ممكنة إذا ما تطهّرت القلوب فحسُنت النوايا، وإذا صدقت عقيدة المسلمين فآمنوا باللّٰه وعملوا بقوله: إنمّا المؤمنون إخوة ، وإذا ما كفَّت ألسنة وأيدي المسلمين عن المسلمين، وإذا ما أمسك المسلمون عن الرفث والفسوق بجميع أنواعه. فسوق العمل وفسوق اللسان وفسوق النفس بالاستعلاء والعنصريّة والإقليميّة والقبليّة.
وإذا ما انصرف المسلمون عن الجدال الذي تكون غايته الرغبة في الانتصار والاستعلاء لا ذلك الحوار الذي غايته الاستيضاح أو التوضيح للحقيقة والصواب.
فلو أنّ المجموعات الإسلاميّة ألزمت نفسها بحدود اللّٰه في الحجّ فلم ترفث فيما بينها ولم تفسق ولم تتجادل، لتعلمت كيف تتعامل مع بعضها البعض ليصلح حال المسلمين وينجلي عنهم الضيم والمذلّة والتشرذم والتبعثر، ولأصبح حالهم غير ما