257عليها من كلّ بلد ومن كلّ قطر ومصر. ففيها يلتقي الحجيج من عامّةٍ أو من مثقّفين علماء. فيأتي كلّ منهم بزاده العلمي، وقدرته الثقافيّة، وتجاربه الحضاريّة، وتطورات مجتمعه وتغيراته فيكون لقاؤهم في مؤتمرهم السنوي مباركاً ومفيداً، لأنّه يقدّم عمليّة إعلاميّة واسعة النطاق تبلغ المعلومة من السِنْد إلى الأندلس، ومن السودان إلىٰ تركيا، وقُلْ من كلّ بلد إسلاميّ إلىٰ كلّ بلد إسلاميّ.
يَقدُم الوافدون إلىٰ مكّة فيهدون إليها شذرات من ثقافاتهم وعلومهم، وتهديهم مكّة - بدورها - علماً واسعاً ومعارف نافعة، ويجدها الناس قد هيّأت لهم جماعات من العلماء وجحافل من المثقفين يستجيبون لتطلعاتهم ويجيبون عن أسئلة الحجيج وتوقفاتهم، وينشرون معارفهم التي وصلوا إليها ببحثهم ونظرهم، كما ينقلون لهم ما بلغهم من فقه وثقافات الأقطار الأخرىٰ. وهكذا كان علماء مكّة صلة الوصل ونقطة الالتقاء بين علماء المسلمين على اختلاف بلادهم وأمصارهم.
وتتجلّىٰ لنا قيمة هذه العاصمة الثقافيّة بما تشارك به في النمو الفكري الإسلامي وتقدّمه من علماء ضمن الزاد البشري المثقّف للأمّة. لقد قدمت مكّة للثقافة الإسلاميّة أساطين من العلماء وأعلام من المثقفين ومشاهير من المفكرين والمنتجين في العديد من المجالات. وتستبين لنا أهمّية هذا الزاد البشري من العلماء إذا ما طالعنا كتب التراجم والطبقات الخاصّة بالمكيين، وهي كثيرة وعديدة تناولت كلّ العصور والأزمان.
ولإظهار عيّنة من ذلك، نذكر كتابين من نتاج القرن التاسع يقومان دليلاً علىٰ ثراء مكّة الثقافي، ووفرة ما رُزقته من أبناء مثقفين وعلماء.
أوّل الكتابين تأليف لتقي الدين الفاسي المكّي (ت832ه / 1429م) عنوانه «العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين» (مطبوع في ثمانية مجلدات) انصبّ فيه أغلب اهتمام المؤلّف علىٰ تراجم علماء مكّة مرتبين علىٰ حروف الهجاء، مسبوقين