256عبداً سمع مقالتي فوعاها ثمّ أسلمها إلىٰ مَن لم يسمعها. فرُبَّ حامل فقه لا فقه له، ورُبّ حامل فقه إلىٰ من هو أفقه منه» 1.
ولما انتقل المسلمون إلىٰ عرفات ألقىٰ فيهم خطبة الوداع التي تعتبر هي أيضاً مثلاً للإبلاغ من الرسول المعلّم إلىٰ عامّة المتلقين من المسلمين الحجيج.
وهكذا ارتبط موسم الحج من بدايات ظهوره ارتباطاً وثيقاً بالتثقيف والتعليم، كما ارتبط بتأصيل وترتيب التعامل الاجتماعي. كلّ ذلك ينضاف إلى العبادة والسعي إلى التقرّب من اللّٰه زلفي ونيل خيره وهديه ومغفرته.
ودأب المسلمون علىٰ ذلك منذ فجر الدعوة إلىٰ يوم الناس هذا، فإذا مكّة المكرّمة تصبح عاصمة للثقافة الإسلاميّة وتتعاضد مع المدينة المنوّرة لاحتضان وإيواء أولى المدارس العلميّة الإسلاميّة التي شرّعت الطريق ونهجت المناهج وغرست البذرات التي انتجت ثمار المعرفة الإسلاميّة فيها وفي الأمصار الأخرىٰ.
ففي مكّة المكرّمة، نشأت أولى المدارس العلميّة علىٰ أسس ركّزها رجل أدرك قيمته رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله فسمّاه «خير هذه الأمّة» أو «ترجمان القرآن» إنّه عبداللّٰه بن عبّاس الذي اضطلع بتفقيه المسلمين في مختلف عرصات الحرم وخاصّة في دار زمزم التي عرف الناس مجلسه بها، فوردوا عليه يسمعون تفسيره للقرآن، ورواياته للأحاديث، وتدريسه لأنواع من الفقه العقدي الديني واللغوي وغير ذلك.
ثمّ تتالت بعده الطبقات من أعلام المكّيين.
وترسخ الطابع العلمي لمكّة المكرّمة فأصبحت عاصمة ثقافيّة لأسباب وجيهة وواضحة. فإنّ إلىٰ مكّة يحجّ الناس ويأتونها من كلّ صوب. ويقدمون