219يشكل ذروة الرحلة، وهي الالتقاء بالدولة السعودية الفتية من جانب، وتأدية مناسك الحجّ من جانب آخر، كلّ هذا، قبل الانتهاء إلى جملة الخلاصات التي نجد أنّ القارئ ينتهي إليها ضرورة.
قطع محمّد الحجوي في رحلته الطريق نفسها التي اعتاد الحجّاج المغاربة سلوكها، إلّاأنّه قطعها جوّاً، وكان تعداد السفر بالساعات. كان أوّل التوقّف - بعد الانطلاق من الرباط - مدينة وهران، ثمّ الجزائر العاصمة، بعد ليلة كان التوجّه إلى تونس: «وأقمنا بتونس لزيارة معاهدها العلمية، جامع الزيتونة وفروعه الأربعة التي بالعاصمة، ولقينا جميع مشايخها وتلاميذها» ، وفي تونس، للحجوي أصحاب ورفاق، وله بالمدينة وأهلها صلات هي نتيجة أسفاره العديدة إليها واتّصاله بالجمعيات الكبرى فيها محاضراً ومستمعاً، ثمّ من تونس، كان الارتحال إلى ليبيا في محطّتين، طرابلس أوّلاً، فابن غازي ثانياً، ومن هذه المدينة الأخيرة إلى القاهرة ليكون مجموع الساعات من الرباط إلى القاهرة، كما يسجّل ذلك، 15 ساعة ونصف. ومشاهدات الحجوي في القاهرة وانطباعاته تستحقّ وقفة قصيرة لفسح الكلام فيها لصاحب الرحلة مكتفين باختيار العبارات الدالّة والنقط التي استقطبت وعيه أكثر من غيرها.
«باريز (باريس) العروبة، فإنّك ترى فيها جلّ ما هو موجود في عواصم أوروبا كباريز ولندن وبرلين ورمة (روما) وبروكسيل وغيرها من الأناقة والإتحاف في ظاهر الدور والإدارات والمعابد والمخازن، من كلّ ما يسمّى الآن بالرقيّ والتقدّم الظاهري، وتصفيف الأبنية، وتنجيدها، وزخرفتها، وإتحافها منها ممّا يبهج الناظر ويشرح الخاطر (. . .) مع اتّساع الشوارع وتنظيمها، وكلّ ما يقرّب المسافات الشاسعة من أطومبيلات وحافلات وما إلى ذلك (. . .) فلهي أبهج العواصم وأحفل المدن الراقية وأجملها، وشعبها أهدأ الشعوب وأبعدها عن