218نحن - إذن - أمام شخصية ثلاثية الأبعاد: الفقيه المجتهد - الموظّف المخزني السامي - التاجر المتمرّس بالتجارة استيراداً وتصديراً وانتقالاً إلى البلاد المغايرة للوطن الأصلي في العادات والتقاليد، بلاد تنتمي إلى عوالم القوّة، والتقدّم والنظم الحديثة في الإدارة والمال والتعليم، وفي نظام المجتمع، وروابط العلاقة بين الفئات والطبقات الاجتماعية المكوّنة لذلك المجتمع والمحدّدة لروابط العلاقة فيه.
أمر آخر، وأخير، تجدر الإشارة إليه وهو يتّصل هذه المرّة بالرحلة وأدبها، وهو أنّ الحجوي كانت له تجارب بالكتابة في هذا الموضوع، تجارب ترقى إلى نهاية الحرب العالمية. فهو قد زار كلّاً من فرنسا وبريطانيا غداة انتهاء الحرب، ودوّن الرحلة في نص جميل، غنيّ ممتع، قمنا بنشره ملحقاً لكتابنا السالفة الإشارة إليه (أوروبا في مرآة الرحلة) ، مثلما أنّه ارتحل إلى إسبانيا في الثلاثينات وسجّل رحلته، في نصّ قصير غير منشور، هو رحلته «الأندلسية» ، فضلاً عن رحلات قصيرة، متعدّدة، إلى دول أوروبا الغربية، أغلبها أوراق مبعثرة وملاحظات أوّلية أو تذكّر بما سبق له القول فيه في «الرحلة الأوروبية» . وإذن فلم تكن مخطوطة «الرحلة الحجازية المصرية» التي نقترح الوقوف عندها رحلته الأولى ولا الوحيدة، وهذا من جهة أولى، مثلما أنّها كانت، وهذا من جهة ثانية، حاملة لصدى آرائه في المجتمع، والإصلاح، وفي التقدّم، وفي حالة العالم العربي الإسلامي مقارنة مع البلاد الغربية كما يراه، أو يرى البعض عنه في زمان الرحلة، وهو موسم الحجّ للعام 1365ه الذي يوافق اكتوبر 1946م.
الآن، وقد نبّهنا إلى شخصية الرحّالة ومكانة صاحبها من الدولة والمجتمع والفكر في المغرب المعاصر، يكون لنا أن نتصفّح الرحلة ذاتها من خلال تقديم ملخّص لها أوّلاً، ثمّ من جهة التنبيه على الجوانب التي يخالف بها الرحل معاصريه من أصحاب الرحلات الحجّية المعاصرة في المغرب، وثالثاً من حيث وقفة عندما