79ولمن تتركنا في هذا الوادي الموحش المقفر؟
إن كان لي ذنب، فما ذنب الرضيع؟
وراحت تستعطفه، فأبان لها وقد رقّ قلبه، وهو قلب رقيق رحيم، ودمعت عيناه. . . اللّٰه الذي أمرني أن أضعكم في هذا المكان وهو يكفيكم.
فتجيبه: إذن «لن يضيّعنا اللّٰه» .
رحلة عظيمة من أجل هدف عظيم، رحلة شاقّة مريرة محفوفة بالمخاطر من أجل مبادئ سامية ومفاهيم عظيمة. .
فمكثت هاجر ترعى وليدها، وتأكل ممّا تركه إبراهيم عليه السلام حتّى نفد ماؤها وقلّ زادها وجفّ ثدياها، فتعالى صراخ طفلها، وهنا بدأت رحلة أخرى أقسىٰ وأمرّ.
حيث بدأ العطش يأخذ أثره ويحزّ في كبدها وكبد رضيعها، الذي راح يلوك بلسانه يبحث عن قطرة ماء في فضاء فمه المتيبِّس، فاندفعت هنا وهناك تعلو صخرة وتهبط أخرى، وعاشت في دوّامة بين سرابين، وقد تمثّل لها على الصفا والمروة ما حسبته ماءً، وهي لا تعلم بأنّ جهدها الشاقّ هذا سيكون يوماً منسكاً عظيماً من مناسك أرادها اللّٰه لعبادته، فراح الملايين بأجيالهم التي لا تحصى يسعون بينهما، فرحم اللّٰه حبر الاُمّة ابن عبّاس، وقد رأى قوماً يطوفون بين الصفا والمروة أو يسعون بينهما، فقال: هذا ما أورثتكم اُمّكم أمّ إسماعيل. إذن فهي وقفة إعجاب وإكبار للثلاثة الذين خلدوا لنا هذا فخُلدوا!
* * *
الباب الأوّل: تأريخ أعلام الحرم المكّي الشريف، وجهود المؤرِّخين المكّيّين في ضبط حدوده.
وفيه فصول:
الفصل الأوّل: تاريخ أعلام الحرم المكّي الشريف، وقد تناول المؤلّف في هذا الفصل، وتحت عنوان فرعي: «اختيار الحرم على سائر الأرض» .