78يابسة، لا يُرى فيها ماء ولا خضرة. . .» .
لقد استوقفتني هذه الصعوبات الكبيرة والخطيرة التي يذكرها الدكتور، طويلاً، فرحت هناك أنظر بعيداً بعيداً في عمق التاريخ، وأستحضر ما أراه وكأنّه أمامي، إنّه ذلك الشيخ الكبير القادم من بعيد بأهله، يقطع الفيافي والوديان والجبال وصخورها، لقد احتواه العراء الواسع هذا، وسرحت عيناه فيما يحيطه، وقد توزّعت نظراته هنا وهناك، يرمق السماء ببعضها مبتهلاً وداعياً، فيما يحنو ببعضها الآخر على ولده الوحيد يومذاك، وزوجته المطيعة الأمينة، التي اختارتها السماء لوظيفة. . هي الاُخرى ظلّت عيونها تارةً تحلّق بعيداً. . جبال صخورها وعرة . . وديان جدباء. . فيافي قاحلة. . صحاري ملتهبة. . إذن ماذا يريد منّا هذا الشيخ الكبير؟ !
فراحت عيونها تحلّق تارةً بعيداً وقد يصيبها الدوار ممّا ترى. . وتارةً أخرى تحملق في وجه نبيّ اللّٰه دون أن ترى علامة أو تسمع كلمة لعلّها تهدئ روعها وتطمئن بها نفسها. . وثالثة نحو رضيعها فتذرف دموعها خوفاً عليه، والذي اختارته السماء لدور آخر لا يقلّ عظمة عن دور أبيه واُمّه. . ثمّ تعود من نظراتها هذه نحو السماء، لتستنزل بعبراتها وبرقّتها المعروفة وعواطفها الجيّاشة رحمة السماء.
ظلّ الثلاثة هكذا ما إن يجتازوا هضبة إلّالينحدروا في أخرى، وما إن يعبروا وادياً جديباً، حتّى يهبطوا آخر أكثر منه جفافاً وجدباً. . في أرضٍ نائية لا زرع فيها ولا ظلال. . حتّى هبطوا البطحاء، إنّها بطحاء مكّة، حيث محطّ رحالهم بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ هناك تركهم إبراهيم؛ ليعود من حيث أتى، مع زادٍ يسير وماء قليل، ولكن عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ .
تذكّرني كلمات الشيخ الدكتور بهذه المرأة العظيمة، وهي ترى نفسها وحيدةً في موضع ليس فيه أنيس ولا ماء ولا زرع، إلى أين أنت ذاهب يا إبراهيم؟