108وابنه الرضيع إسماعيل) فأمامه شوط بعيد، في وديانٍ جدباء، وصحارى ملتهبة، ونظرات النبيّ إبراهيم توزّعت هنا وهناك؛ يرمق السماء ببعضها مبتهلاً داعياً فيما يحنو ببعضها الآخر على ولده الوحيد يومذاك، وزوجته المطيعة الأمينة التي اختارتها السماء لوظيفة عظيمة، . . . هي الاُخرى ظلّت عيونها تارةً تحلّق بعيداً في هذه الفيافي القاحلة، وتارةً اُخرى تذرف دموعها خوفاً على رضيعها الذي وقع اختيار السماء عليه أيضاً لدور آخر لا يقلّ عظمةً عن دور اُمّه، فراحت تستنزل بعبرتها وبرقّتها المعروفة وعواطفها الجيّاشة رحمة اللّٰه. . .
ظلّ الثلاثة يواكبهم جبرايل ما إن يجتازوا هضبةً وعرة إلّالينحدروا في اُخرى، وما إن يعبروا وادياً جديباً حتّى يهبطوا آخر أكثر منه جفافاً وجدباً. . . في أرض نائية لا زرع فيها ولا ظِلال. . . حتّى هبطوا البطحاء. . . إنّها بطحاء مكّة، حيث محطّ رحالهم. .
إذن ماذا يُريد هذا الشيخ بأهله في هذه الصحارى وبين هذه الجبال؟ بل ماذا يُراد به وبأهله. . ؟
ونجد جواب ذلك في قول إبراهيم الخليل حيث همَّ بالرجوع من حيث أتى، وقد ترك زوجته وابنه مع زاد يسير وماء قليل عند بيتك المحرم.
نظرت إليه زوجته وقد رأته يهمّ بالعودة إلى الشام دونهما، فقالت:
يا إبراهيم أتدعنا في موضع ليس فيه أنيسٌ ولا ماءٌ ولا زرعٌ؟ ! إلى أين تذهب؟ ولمن تتركنا في هذا الوادي الموحش المقفر؟ وراحت تستعطفه، فأبان لها وقد رقّ قلبه ودمعت عيناه. . اللّٰه الذي أمرني أن أضعكم في هذا المكان هو يكفيكم.
فما كان لها بعد أن وعت قوله إلّاالانقياد لحكم اللّٰه والتسليم له، والركون لرحمته، وهي تردّد «لن يضيّعنا اللّٰه» ، فيما راح دعاء إبراهيم في وادي مكّة يتردّد صداه في سفوحها ووديانها وجبالها. . .