109
ربّنا إنّي أسكنت من ذرّيتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرّم ربَّنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلّهم يشكرون 1.
ليقيموا الصلاة
كلّ هذه الرحلة الشاقّة والمريرة والمحفوفة بالمخاطر من أجل هذا الهدف العظيم بكلّ ما يحمله من معانٍ سامية ويضمّه من مفاهيم عظيمة. . . نعم ليقيموا الصلاة بكلّ ما تحمله من معانٍ جميلة وأهداف جليلة. . لا في أيّ مكان، إنّما في هذه البقعة المباركة. . حيث القلوب التي تهوي وحيث الرزق الوفير. . وحيث الطمأنينة والأمان. . . وحيث البيت الطاهر، وحيث الطائفون والراكعون والساجدون. . . إنّه المكان الذي تظلّله السماء برحمتها وتنزل عليه بركاتها. . لتقام الصلاة كما تريدها السماء شكلاً ومضموناً. . لتنطلق إلىٰ كلّ بقاع الدنيا وفجاجها. .
* * *
عاد إبراهيم، وبدأت رحلة اُخرى لهاجر لا تقلّ مشقّةً ومخاطر عن الرحلة الاُولى، إن لم تكن أكثر خطورة منها وأعظم، حيث لا وحي ولا نبيّ يرافقها، إنّما لتبدأ حياتها وقد ارتدت لباس التقوى وتحلّت بالصبر الجميل، وحيدةً بجوار بيت اللّٰه الحرام ولتتمّ رسالتها ووظيفتها، فقد تكفّلت رعاية نبي آخر، تدفع عنه الأذىٰ، وترعاه رضيعاً ويافعاً. . فمكثت ترعى وليدها وتأكل ممّا تركه لها إبراهيم عليه السلام حتىٰ نفد ماؤها وقلّ زادها. . وجفّ ضرعها. . فعلا صراخ طفلها.
قامت تبحث عن منقذٍ في بطن وادٍ مخيف، تصوّب نظراتها إلى هذه الجبال الشاهقة وإلى تلك التلال البعيدة. . فهنا جبل أبي قبيس حيث الصخور الملساء، يقابله جبل قعيقعان حيث الحجارة الرخوة. . وهي في وادٍ لا حياة فيه إلّا لشجيرات عجفاء متناثرة هنا وهناك. . إنّها الصحراء. . ذات الشمس المحرقة واللهب اللافح. . تعيش حاضراً حزيناً وغداً غامضاً بهيماً. . لتخلد في ذاكرة