153فكانت حيلة عليّ في تلك المعضلة العصيبة جدّ قليلة، وكان الحول الذي في يديه أقلّ من الحيلة.
إلّا أنّه مع هذا قد صنع غاية ما يصنعه رجل معلّق بالنقيضين، معصوب بالتبعتين، مسؤول عن الخليفة أمام الثوّار ومسؤول عن الثوّار أمام الخليفة (65) .
فحينما تناهىٰ إلى سمعه، أنّ الثوّار يريدون قتل عثمان، بعث الإمام علي عليه السلام بابنيه الحسن والحسين مع مواليه بالسلاح إلى بابه لنصرته، وأمرهم أن يمنعوه منهم (66) وهكذا حذا حذوه بعض الصحابة اقتداءً بالخطوة، فصدّوهم عن الدار. . واشتبك القوم، وجُرح الحسن، وشُجّ قنبر، وجرح محمد بن طلحة، فخشي القوم أن يتعصّب بنو هاشم وبنو أميّة، فتركوا القوم في القتال على الباب، ومضىٰ نفر منهم إلى دار قوم من الأنصار فتسوّروا عليها، وكان ممّن وصل إليه محمّد بن أبي بكر ورجلان آخران. . (67) .
وبينما كان البعض يشحذ سيفه استعداداً لخوض الجولة الأخيرة مع عثمان، والبعض الآخر يمنّي نفسه بالأمر. . جاء الثوّار إلى الإمام علي عليه السلام يعرضون الخلافة عليه. . فلقيهم أسوأ لقاء، وأنذرهم لئن عادوا إليها ليكونن جزاؤهم عنده وعند الخليفة القائم، جزاء العصاة المفسدين في الأرض (68) .
ووقع المحذور، ويهرع الإمام علي عليه السلام إلى دار الخليفة المقتول، ولطم الحسن وضرب الحسين، وشتم محمّد ابن طلحة وعبداللّٰه بن الزبير وجعل يسأل ولديه: كيف قُتل الرجل وأنتما على الباب؟ فأجاب طلحة: لا تضرب يا أبا الحسن ولا تشتم ولا تلعن، لو دفع مروان ما قُتل (69) .
وبقيت المدينة خمسة أيّام بعد مقتل عثمان، وأميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر، والمصريون يلحوّن على عليّ وهو يهرب إلى الحيطان (البساتين) . . وكلّهم يقول: لا يصلح لها إلّاعلي (70) .
وهنا، يصل المأزق إلى مرحلة الخيارات الصعبة، فأمّا أن يقبل أمير المؤمنين علي عليه السلام بالتصدّي لاُمور المسلمين ويتسنّم قيادتهم رسميّاً أو أن