154يلقي الحبل على غاربه، مع ما يترتّب على الخطوة الأخيرة من نتائج خطيرة ومهوّلة لا تتوقّف آثارها على حقبة تاريخية معيّنة وإنّما تتعدّاها بجملة تشويهاتها إلى كلّ العصور؛ لأنّ المشكلة كانت تكمن في المنهج المعتمد لا في غيره. وأمام فداحة تلك النتائج المتوقعة، قبل الإمام علي عليه السلام بتسلّم السلطة، حاملاً معه اطروحته بكلّ دقائقها، محاولاً استئناف العمل بالمشروع الإسلامي البعيد (71) .
ولكن؛ هل أُتيحت الفرصة المواتية للإمام علي عليه السلام لإنجاز مشروعه هذا؟ !
علي. . والمعارضة
إذا كان الإمام عليه السلام قد أسّس المعارضة الشرعية في الإسلام بعد الرسول صلى الله عليه و آله، وهو يومئذ في موقع الفرد إزاء السلطة الحاكمة، فإنّه يعتبر كذلك المنظِّر الأوّل لمنهج التعامل مع المعارضة يوم أصبح حاكماً على المسلمين (72) .
ومنذ البداية كان الشكّ يخامر البعض، لأسباب عديدة، رغم أنّ الإمام عليّاً عليه السلام، وبشهادة حتّى أعدائه، الأقدر والأصلح، ولكن ثمّة غيوم كانت تتلبّد في أجواء ملبّدة أساساً.
فحينما أجمع المسلمون علىٰ بيعة الإمام علي عليه السلام بعد مقتل عثمان، تخلّف عدد من الصحابة عنه، وثار عليه آخرون، وتمرّد عليه بعض، وانحرف فريق آخر، فكيف كان موقفه من هذه الفئات المختلفة (73) ؟
بدءاً، كان امتناع البعض عن تقديم البيعة للإمام عليه السلام أوّل اختبار لمنهجه في التعاطي مع «الآخر» المختلف. وبالرغم ممّا كان يمثِّله الامتناع عن البيعة من خروج سافر على مبدأ الطاعة لخليفة المسلمين، لاسيما وأنّ بيعته كانت الوحيدة من بين مَنْ سبقوه تحقّقت بمشاركة شعبية واسعة وبإجماع شامل، إلّا أنّ النفر الذين تخلّفوا وهم؛ سعد بن أبي وقّاص، وعبداللّٰه بن عمر، واُسامة ابن زيد، وآخرون لا يتجاوزون بضعة نفر. . لم يعاملوا المعاملة المتوقّعة بمقاييس المسلمين في ذلك العصر. لقد حصل مع علي بن أبي طالب والذين تخلّفوا عن بيعة أبي بكر، أنّهم هُدّدوا وحوصروا في بيت علي، وتمّ كشف البيت بالقوّة في الحادثة التي ندم عليها