152للخليفة بإقصاء تلك البطانة، وتبديل السياسة التي تزيّنها له وتغريه باتباعها وصم الأذان عن الناصحين له بالإقلاع عنها. وكان مع هذا أوّل منْ يُطالب بالغوث، كلّما هجم الثوار على تلك البطانة، وهمّوا بإقصائها عنوة من جوار الخليفة.
كان الثوّار يحسبونه أوّل مسؤول عن السعي في الإصلاح، وكان الخليفة يحسبه أوّل مسؤول عن تهدئة الحال وكفّ أيدي الثوّار. ولم يكن في العالم الإسلامي كلّه رجل آخر يعاني مثل هذه المعضلة التي تلقاه من جانبيه كلّما حاول الخلاص منها، ولا خلاص!
وضاعف هذا الحرج الشديد الذي كان يلقاه في كلّ خطوة من خطواته، أنه لم يكن بموضع الحظوة والقبول عند الخليفة حيثما وجب الإصغاء إلى الرأي والعمل بالمشورة. وإنّما كان مروان بن الحكم موضع الحظوة الأولىٰ بين المقرّبين إليه. . لا ينجو من إحدىٰ جناياته التي كان يجنيها على الحكومة والرعية حتىٰ يعود إلى الخليفة فيوقع في روعه أنّ عليّاً واخوانه من جلّة الصحابة هم الساعون بين الناس بالكيد له وتأليب الثائرين عليه، وأنّه لا أمان له إلّاأن يوقع بهم ويعرض عنهم. .
ويلتمس الأمان عند عشيرته وأقربائه، ومن هم أحقّ الناس بسلطانه وأصدقهم رغبة في دوامه.
ففي المؤتمر الذي جمعه الخليفة للتشاور في إصلاح الأمر وقمع الفتنة، لم يكن عليّ مدعوّاً ولا منظوراً إليه بعين الثقة والمودّة. . بل كان المدعوون إلى المؤتمر من أعدائه والكارهين لنصحه. .
وهم معاوية وعمرو بن العاص وعبداللّٰه ابن أبي سرح وعبداللّٰه بن عامر وسعيد ابن العاص، وهم في جملتهم من أولئك الولاة الذين شكاهم عليّ وجمهرة الصحابة وبرحت بهم صدور المهاجرين والأنصار.
كان هؤلاء هم الوزراء والنصحاء وأهل الثقة عند عثمان، ومن ورائهم مروان بن الحكم يلازمه ويكفل لهم أن يحجب النصحاء عنه، وفي مقدّمتهم عليّ واخوانه. . ثمّ تفرّق المؤتمرون وقد ردّ عثمان كلّ عامل إلى عمله، وأمره بالتضييق على من قبله.