65وكما حيّر الخميني العظيم دهاقنة السياسة وأساطينها عند انتصاره، فقد حيّرهم أيضاً أداؤه السياسي بعد الانتصار حينما قلب الطاولة على رؤوس المنظّرين السياسيين وأثبت بطلان مقولاتهم، فظلّوا أمام إبداعاته مبهورين، قد سمّرت عمامته السوداء أبصارهم، وهم في حالة ذهول لا يدرون ماذا تخفي تلك العمامة من أفكار في رأس رجل أبى إلّاأن يتمرد على الدنيا، ويلوي أذرع الممسكين بأسباب القوة فيها؛ ليعلن عندها قانون (عجز القوة المادية) عن قهر إرادة الشعوب وقادتها الأحرار الكبار.
فلقد كانت ولادة الثورة الاسلامية بقيادة ربّان سفينها الامام الخميني ولادة قيصرية عسيرة راهن الكثيرون على إمكانية إجهاضها من قبل القوى الكبرى، التي لا يروق لها ولادة ثورة خارج رحم اللعبة الدولية في عالمنا الاسلامي، لكن الخميني العظيم الذي أصرّ على الإبحار باتجاه معاكس لمجاري المياه الاستكبارية وتياراتها الجارفة كان مع النصر على موعد قد آمن به من الأعماق معتمداً على الأمل بنصر اللّٰه ومتوكئاً على الثقة التي منحتها له الجماهير.
فانطلق الإمام عملاقاً مارداً لا يعرف التوقف ولا الالتفات الى الوراء؛ ولذلك تميّز بصلابة المواقف رافضاً أنصاف الحلول أو الهدنة المؤقتة رغم علمه بفداحة الخسائر، وأنهار الدماء التي سالت في شوارع طهران والمدن الايرانية الأخرىٰ، وكأنه يعلم أنّ شجرة الثورة عطشى لتلك الدماء النازفة، ولا يمكن أن يتوقف النزف إلّاعند الانتصار، أو كأن شجرة الثورة لا يمكن أن تثمر نصراً حتىٰ ترتوي؛ ولذلك كلما أصرّ شاه ايران على تصفية الحساب مع الشارع الثائر بالمزيد من الرصاص والموت والدماء أصرّ الخميني على المواجهة ومهما كانت التضحيات الى أن أبطل نظريّة الحكم الشاهنشاهي القائمة على القمع والمراهنة على العنف، فسقطالشاه بسقوط تلك النظرية، التي لمتقوَ على مقاومة تيار الثورة الهادر والمصمم على مواصلة الدرب حتى النهاية. عندها لم يجد الشاه مخرجاً من هذا النفق