326تتحرّك في كلّ زمن يبتعد فيه الإنسان عن اللّٰه - كان يحمل بين طيّاته عوامل الضياع والانقسام والتشرذم إلى عصبيات قبلية، وعقد طائفية، وعاطفة ساذجة ممزوجة بالحقد والبغضاء، بينما كانت الحالة مختلفة تماماً في ظلّ الدولة الإسلامية الواحدة التي عَمِلت على تجسيد أهداف الوحدة، وتمثّلت - بعمق ووعي - دعوتها الوحدوية المبنية على المحبة، والمودة، وروح التعاون والوفاق والأخوة والإلفة فيما هي الوحدة في العاطفة والوجدان، وفيما هي الوحدة في الفكر الواحد أيضاً، حيث لَمَّتْ الدعوة الوحدوية الإسلامية شَعْثهم، وجمعت كلمتهم، ووحّدت صفوفهم فكراً وروحاً، قلباً وقالباً، ونسفت من الجذور المناخات الجاهلية بكلّ موروثاتها وتبعاتها السلبية. ونستطيع أن نفهم من خلال كلمة «الاعتصام» بحبل اللّٰه تعالى معنى الالتزام بنهج القرآن كقاعدة صلبة متماسكة للوحدة المنطلقة من عوامل الوحدة الفكرية والعملية بعيداً عن كلّ الإثارات العائلية، والقومية، والإقليمية المصطنعة والمستغرقة في الذاتية والانفعالية والأنانية.
يقول الشيخ محمد عبده، في تفسير المنار، معلّقاً على الآية السابقة: «. . في كلمة الاعتصام المشتقّة من كلمة العصمة، توجد نقطة مهمة وجميلة جدّاً وهي أنه سبحانه كأنما يريد أن يقول:
إنّ أساس هذا الاعتصام يتهيّأ عن طريق التمسّك (بحبل اللّٰه) وهو نفسه الشريعة الإلهية، وبعبارة اُخرى الكتاب السماوي.
إذاً يمثّل الاعتصام بحبل اللّٰه القاعدة الصلبة التي يمكن للمسلمين أنْ يرتكزوا عليها من أجل توحيد المسيرة، وتوحيد الهدف في نطاق توحيد الاُمة، وذلك في إطار التخطيط الواعي الذي يتجاوز السلبيات والإيجابيات، ويقف مع السلبيات وقفة فكر لا عاطفة، ويعتبر أن وضوح الرؤيا لدى أية جهة لا يعني وضوحها لدى الآخرين ممّا يستدعي مزيداً من العمل والصبر والتحمُّل في سبيل الوصول إلى وحدة الرؤية للأشياء والمواقف في اتجاه وحدة الهدف الكبير، وذلك هو ما يبعدنا عن متاهات النظرات والتحليلات التي