180إلى الاضطرابات العقلية التي تصيب الفرد المحروم من المشاركة في النشاطات الاجتماعية. وليس غريباً أن نقول: بأنّ المسلمين هم اقل الفئات البشرية انعزالاً، وأقلهم إصابةً بأمراض الاغتراب الاجتماعي. والنقطة الرئيسية هنا هي أنّ الحقيقة الخارجية التي يتم تصورها في ذهن الانسان لايمكن بناؤها اجتماعياً الا بمساعدة الآخرين، فنحن لانستطيع أن نفهم عقيدتنا في الخلق والتكوين والحياة الاجتماعية إلّا عن طريق رسائل يحملها الآخرون لنا. ولذلك، فإنّ للفرد طاقة نفسية لاستيعاب مفردات الحياة الاجتماعية وشروطها، وهذه الطاقة والقابلية النفسية لابد من إشباعها حتى يتحقق الاجتماع الانساني الذي هو أصل بقاء الحياة الانسانية على وجه الأرض.
ويعدّ السجن الانفرادي من أكثر العقوبات قسوة ووحشية على الانسان؛ لأنّ الفرد بحاجة دائمية إلى الاتصال بالآخرين حتى يستطيع أن يحافظ على إحساسه المستمر بالحقائق الخارجية ويحافظ على الشعور بهويته الذاتية؛ ولذلك فإنّ الأفراد الذين يعاقبون بالسجن الانفرادي لفترة طويلة يفقدون إحساسهم بقيمة الوقت مع أنهم يحسبون الأيام عن طريق خطوط يرسمونها على جدران السجون. وعندما يفقدون إحساسهم بقيمة الوقت، فإنّ الشك يبدأ بالسريان إلى كلّ شيء في حياتهم، فلا يستطيعون - لاحقاً - الاطمئنان إلى الحقائق الخارجية التي اختبروها في حياتهم العامة سابقاً.
ولكن الانعزال والاغتراب الاجتماعي لايكون دائماً نتيجة سجن انفرادي أو عزل قسري، بل قد يتولد من ضعف الانسان أمام المشاكل الاجتماعية، أو فقدانه المعنى الواضح للحياة، أو انهيار الجانب الاخلاقي الاجتماعي.
فالضعف الانساني تجاه المشاكل الاجتماعية التي جلبتها المادية الحديثة، وانعدام العدالة الاجتماعية، وانحلال الأواصر العائلية والأسرية أدّى إلى إحساس الفرد بغربته وانفصاله عن المجتمع الكبير الذي يعيش فيه؛ لان المشاكل