53بصورة دقيقة بعمق الشعور بالغربة في نفس الإنسان المعاصر، وهذه هي حالة عدم الانتماء الىٰ بيت يجمع شمل المجتمع.
إذن في حياة الناس حالتان: حالة البيت، وحالة اللابيت.
وحالة البيت ليست حالة واحدة، بل حالتين: بيت التوحيد وبيت الشرك، ونتحدث الآن عن هذين البيتين في حياة الناس.
بيت التوحيد وبيت الشرك:
يعبّر كل من هذين البيتين عن حالة الإنتماء الحضارية في حياة الإنسان، غير أن البيت الأوّل انتماء الىٰ أسرة التوحيد، والبيت الثاني انتماء الىٰ أسرة الشرك، وكل منهما انتماء، ولا يصح أن نتصور أن حالة الشرك والكفر لا تعبر عن الإنتماء غير أن الانتماء انتماءان.
وكل من هذين الإنتماءين يتألّف من نسيج حضاري تحكمه شبكة من العلاقات العضوية. والقرآن يقرر هذه الحقيقة في كل من هذين البيتين، يقول تعالىٰ عن العلاقة العضوية داخل البيت الأول: ( والذين آووا ونصروا أُولئك بعضهم أولياء بعض) 1الذين آووا ونصروا في التاريخ، وعلىٰ وجه الأرض أسرة واحدة، أينما كانوا من الأرض، ومن التاريخ. . . بعضهم أولياء بعض، ولا تُضعف وشيجة الولاء هذه فواصل المكان والزمان ولا اختلاف اللغات والألوان والدماء.
ولوشيجة (الولاء) أصولها وأحكامها ومقوماتها. وهذه الوشيجة هي التي تحفظ أُسرة التوحيد من التفكّك والتفرق والتمزق، والعقم والعطل في التاريخ، إلاّ أن هذه العلاقة العضوية لا تخصّ أسرة التوحيد. . . فإن الذين كفروا، في أنحاء الأرض وفي التاريخ أيضاً، أسرة واحدة، علىٰ وجه الأرض، في مواجهة أسرة التوحيد، رغم كل الخلاف الثقافي والسياسي والعسكري فيما بينهم، وداخل هذه الأُسرة ( بعضهم من بعض) ، ولا أعرف تعبيراً أدق في تصوير حالة الانتماء والعلاقة