137ولهذا التركيز والتثبيت إلىٰ جانب تلك الحركة الشاملة معنى عميق في حياة الإنسان المسلم. فإنّ من الممكن أن يقوم الإنسان بكامل النشاط المباح، الذي يقوم به سائر الناس في مناكب الحياة المختلفة، دون أن ينحرف حتّىٰ لحظة واحدة عن ابتغاء وجه اللّٰه ومرضاته في شيء من ذلك. فيذهب إلى السوق للّٰه، ويسعى في مناكب الحياة للّٰه، ويتزوّج للّٰه، ويؤمّن معيشة أهله للّٰه، ويعمل في ميادين السياسة للّٰه، ويقاتل للّٰه، ويدافع للّٰه. وإذا أحبّ أحبّ للّٰه، وإذا أبغض أبغض للّٰه، وإذا سرّ سرّ للّٰه، وإذا غضب غضب للّٰه.
فلا تفوت الإنسان في هذه الحركة الواسعة حركة ولا نشاط ممّا ينشط له الناس في مساحة المباح، ولا ينحرف الإنسان في جزء من هذا النشاط الواسع عن ابتغاء وجه اللّٰه ومرضاته، وعندئذٍ يكون مخلَصاً للّٰه، أي خالصاً، لا يشوب نفسه ونيّته شيء لغير اللّٰه.
يقول تعالى عن رسوله وكليمه موسى بن عمران: «واذكر في الكتاب موسى إنّه كان مُخْلَصاً وكان رسولاً نبياً» 1.
ويقول تعالى: «وما تُجزون إلّاما كنتم تعملون إلّاعبادَ اللّٰه المخلَصين» 2.
«فانظر كيف كان عاقبة المنذَرين إلّاعبادَ اللّٰه المخلَصين» 3.
و (المخلَص والمخلَصين) في هذه الآيات بفتح اللام بمعنى الخالص، الذي خلصت نفسه ونيّته من كلّ شائبة لغير اللّٰه تعالى.
ففي تفسير قوله تعالى: «إلّامَن أتى اللّٰه بقلب سليم» 4.
عن الامام الصادق عليه السلام، والراوي سفيان بن عُيينَة، قال: سألته عن قول اللّٰه «إلّامَن أتى اللّٰهَ بقلبٍ سليم» قال: «القلبُ السليم الذي يلقىٰ ربَّه وليس فيه أحدٌ سواه. قال: وكلُّ قلب فيه شركٌ أو شك فهو ساقط. وإنّما أرادوا الزهد