136يمحّض الانسان نفسه وحياته، وسلوكه كلّه للّٰه، وابتغاءً لمرضاته ووجهه، وتستوعب مرضاةُ اللّٰه كلَّ حركته ونشاطه وسلوكه، وتصبغ هذه الغاية (مرضاة اللّٰه) كلَّ سلوكه ونشاطه وحركته، أولئك المخلَصون. والإخلاص بهذا المعنى هو الدعوة الثانية للأنبياء بعد دعوة (التوحيد) . والإخلاص ليس بمعنى أنّ يعطّل الإنسان نشاطه وسعيه في مناكب الحياة، في السوق والبيت والمزرعة وساحات الحرب والإدارة والسياسة، ولكن بمعنى أن يطوّع الإنسان نشاطه وحركته في هذه الساحات كلّها للّٰهتعالى.
ومن السهل أن يعطّل الإنسان شطراً كبيراً من نشاطاته وسعيه، لئلّا يكون سعيه وحركته لغير اللّٰه، ولكن من الصعب أن يطوّع الإنسان نشاطه وحركته كلّها للّٰهتعالى. ودعوة الإسلام هو أن يطوّع الإنسان حركته وسعيه للّٰه، وليس أن يعطّل الإنسان نشاطه وحركته.
وهذان منهجان في التربية الروحية: التعطيل والتطوّع.
والأوّل منهج سلبي يرفضه الإسلام، والثاني منهج ايجابي يدعو إليه الإسلام.
والطواف يرمز إلىٰ هذا الشأن الصعب في علاقة الإنسان باللّٰه تعالى. ففي الطواف يطوف الإنسان دورة كاملة حول الكعبة، في هذه الدورة يتحرّك كتفه الأيمن حول محيط دائرة كاملة من الشرق إلى الغرب، ومن الجنوب إلى الشمال وفيما بين هذه الجهات جميعاً، ولا تبقى نقطة علىٰ هذا المحيط الدائري الشامل إلّا ويقطعه الإنسان بكتفه الأيمن. وهذا المحيط يساوي 3600 ولا نعرف جهة هندسية أوسع وأشمل من 3600 (أي محيط الدائرة) .
وبينما يتحرّك كتف الإنسان الأيمن حول هذه الدائرة الشاملة يثبت كتفه الأيسر علىٰ مركز الدائرة وهو الكعبة، ولا يحيد عنه، في كلّ هذه الحركة الدائرية.