63
الطبيب» .
ومن أعجب العجب أنّ أهل البادية الذين يقطعون القفار الشاسعة بلا دليل صناعي أو نحوه، بل بمراصد الشمس والقمر والنجوم وألوان رمال الأرض يستطيعون أن ينبئوك بأنّ أشخاصاً يتحدثون وهم على بعد نصف يوم على ظهور الإبل في الصحراء، ولعل ذلك يرجع إلى شدة حاسة السمع والبصر عندهم وصفاء أذهانهم وإلى قوة اتجاه الريح الذي ينقل نبرات الأصوات مع الأثير.
والمواقيت هناك بالحساب الهجري، وقد يريد بعضهم أن يذكر لك مثلاً العام الذي انقضى منذ عشر سنوات، فبدلاً من أن يقول لك بالرقم يذكر لك أهم وقائع ذلك العهد كأن يقول - سنة الأحساء أو سنة الحجاز - وهلمّ جرّاً، ولا يمكن أن يخطئ أحدهم في فهم عدد السنوات التي مضت على ذلك الحادث، أو أن يكون جاهلاً لأهم ما جرى من وقائع تلك السنة.
أما نطقهم العربي فلهجتهم تختلف عن لهجة عرب مصر، بل وعرب الحجاز أيضاً، فهم يبدلون الكاف تاء مشددة.
ومن عاداتهم أنهم قبلما يبدأ أحدهم بمحادثة آخر يدعو له بطول العمر، وهناك اختصار لجملة أو لعدة جمل تقع في حرفي «س م» بفتح السين وسكون الميم، فعندما يقدم الساقي القهوة بدل أن يقول: «باسم الله» يختصرها بقوله: «سم» وإذا أراد أحدهم أن يصدع بأمر فبدل أن يقول سمعاً وطاعة، أجاب بكلمة: «سم» وإذا ناديت عليّاً وأراد أن يقول لك: إني سامع، هتف قائلاً «سم» وهلم جراً.
وللقراءة عند أكثر قرائهم نغمة مخصوصة يخيل إلى سامعها من غير النجديين أنه يستمع ل-: «أخنف» ولكنهم يفعلون ذلك مبالغة في الخشوع والتصوف ولا سيما عند قراءة كتاب الله العزيز.
ولإسدال اللحى عندهم شأن كبير، فهم يعدون من يحلق لحيته مخالفاً لسنة رسولالله (ص) ، وقد قصّ عليّ أحدهم وهو يعبث بلحيته اعتزازاً بها - بعد استئذان الدكتور محجوب - أنّ اثنين اختلفا في أمر إطالة اللحية من عدمها، وكان أحدهما أجردها، فذهبا إل بيت رسول الله (ص) يحتكمان، فلما طرقا باب الدار أجابتهما السيدة عائشة بأنّ الرسول (ص) غائب فذهبا، ثم عادا و طرقاه ثانياً وكان (ص) لم يعد فأرادت السيدة عائشة أن تقسم بأنه لم يعد فقالت: «والذي فضّل الرجال باللحى، أنّ الرسول ليس موجوداً» وهكذا اكتفى ذو اللحية بهذا الحكم، وانتصر على