62ولكن يظهر أنّ بعض دعاة السوء أرادوا بث دعايتهم في قلب نجد بعد أن فشلوا في الحجاز فلم يفلحوا، وهكذا عادت المياه إلى مجاريها وانقضى الأمر. . .
حياة النجديين الاجتماعية:
إنّ أهل نجد - ولا سيما سكان باديتها - يعدون الأرز طعاماً أساسياً لهم، بمثابة الخبز عند سائر الشعوب الأخرى، ولما كان هذا النوع من الطعام يستلزم تناوله بالملاعق، فإنّ النجديين لايستعملون سوى قبضة أيديهم. أما سائر ألوان الطعام الناضجة الأخرى فلا يمكن أن تخلو من إضافة مسحوق «الكركم» عليها - ويسمونه البزار - ومع كثرة الألبان هناك فإنهم لا يعرفون الجبن، ولكنهم يصنعون شيئاً كثير الشبه به يسمونه «البقل» وطريقة صنعه أنهم يغلون اللبن حتى يجف، ومِن ثَمّ يضعونه في الهواء فيزداد جفافاً ويقطعونه قطعاً صغيرة بعد أن يضيفوا عليه قليلاً من الملح.
ومن عوائدهم أن لا يتناولوا البصل نيئاً، وحجتهم في ذلك عدم مضايقة المصلين برائحته.
وهم لا يهتمون بتصنيف الطعام ألواناً، ولا يهتمون بطهي الحلوى، تمشياً على ما كان عليه السلف الصالح.
ولا يوجد في نجد كلها سوى طبيب واحد، هو طبيب الملك الخاص، ومع أنه وحيد زمانه هناك فإنّ عمله قليل، والعلة في ذلك أنّ أسقام الناس تكاد تكون معدومة بسبب تقشفهم في المعيشة وفي تناول الأطعمة، ولأنّ يد الطبيعة هي التي تقوم مقام الطبيب هناك، يدلك على ذلك أنّ الوفيات هناك قليلة جداً ويندر أن يموت شخص من سن الأربعين أو الخمسين.
ولهذه المناسبة أذكر مرة أن جاء بدوي إلى طبيب الملك أثناء وجوده وطلب إليه أن يصف دواء لامرأته التي كانت تقيم في قلب البادية، وعلى مسير ثلاثة أيام، فاعتذر الطبيب عن وصف الدواء إلا إذا عاين المريضة وشخّص داءها، فما كان من الأعرابي إلا أن هزأ بالطبيب والدواء وقال: لعلها تكون قد شُفيت فلا حاجة بنا إليك، وانصرف لسبيله.
وجاء بدوي آخر كان قد أُصيب برصاصة في جانب من كتفه شلت ساعده الأيمن، فلما أفهمه الطبيب أنّ إخراج الرصاصة يستدعي التخدير وإجراء عملية جراحية ضحك وقال: «لا والله، لن أموت إلا بريح الجنة - ويقصد بذلك برصاصة أخرى- لا أن يموت على مشرحة