130فيها والتفاخر بها، حتى غدوا يقيمون لها محافل ومؤتمرات أدبية كسوق عكاظ، وهي قبل أن تكون تجارية صارت منتديات أدبية يتوافد إليها الشعراء والتجار في آنٍ واحد. . وبجانب كلِّ هذا لم تخلو حياتهم من الصفات السيئة، كاللهو واللعب والعبث وشرب الخمر ولعب القمار، والوأد، والعصبية القبلية، والتعالي، والتفاخر، والتجاوز على حقوق الآخرين وأموالهم، حتى غدا الغزو والنهبوالسلب وسيلة عيش عند بعضهم، وكلها شكلت لهم حياةً ذميمةً. . .
وكما صاغوا تلك الخصائص الطيبة شعراً ونثراً احتلت هذه العادات الذميمة أماكن لها من أدبياتهم الشعرية والنثرية. . حتى طفحت دواوينهم الأدبية بكل جيد من الخلال وردئ. .
إنَّ عدم العلم وانتفاء المعرفة، وغياب الحكمة والرشد والحلم، وغياب العقل، وقوة المنطق، أدى إلى الاستبداد والظلم والتسلط بين أهل تلك المرحلة سواء أكانوا داخل كل قبيلة أو في بطونها فضلاً عن القبائل القريبة أو البعيدة فيما بينها، وجعلتهم أكثر سفاهةً وغلوّاً في الجهالة وما يستتبعها من المنكرات والتجاوزات. . فالجهل ينصب على السلوك المنافي للعقل والعلم والمنطق، إنه المبدأ الذي راح يحكيه كلٌّ من زهير بن أبي سلمى المزني، وهو من أشهر شعراء الجاهلية:
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه
يهدم ومن لايظلم الناس يظلم
والشاعر الآخر، ولعلّه الفرزدق من شعراء العصر الأموي:
أحلامنا تزن الجبال رزانة
وتخالنا جناً إذا ما نجهل
صورٌ وظواهرُ أخرى:
إنَّ أخطر ما يتعرض له الناس هو الأوهام، والعقائد الفاسدة، والخرافات، والأساطير والبدع، وجميعها تعيش وتترعرع غالباً في الوسط الجاهل. . وما دعاة الفتنة والعصبية والتمرد والتطرف والغلوّ والعدوان والإرهاب إلا نتيجة لعقائد فاسدة وأوهام وبدع، ولا شك أنّ العلاقات القائمة على الجهل والظلم، تعدُّ من أهم أسباب التخلف العام في ذلك الواقع وفي أي واقع آخر، ولهذا نجد سيد قطب، لايعدها فترة من الزمان، ولكنها وضع من الأوضاع، هذا الوضع يوجد بالأمس، ويوجد اليوم، ويوجد غداً، فيأخذ صفة الجاهلية المقابلة للإسلام، والمناقضة للإسلام. . .