216البيع يا صهيب. ويروى أن عمر بن الخطاب كان إذا أعطىٰ أحداً من المهاجرين عطاءً، قال له: خذ هذا ما وعدك اللّٰه في الدنيا، وما أخّره لك أفضل، ثم تلا هذه الآية 1.
وقال الواحدي في أسبابه: نزلت في أصحاب النبيِّ صلى الله عليه و آله بمكة: بلال، وصهيب، وخبّاب، وأبي جندل بن سهيل، أخذهم المشركون بمكّة فعذبوهم وآذوهم، فبوأهم اللّٰه تعالى المدينة بعد ذلك 2.
لقد بوّأهم اللّٰه تعالىٰ مكاناً محموداً بين اخوانهم المسلمين المهاجرين والأنصار، وجعل لهم ذكرىٰ طيبة تتناقلها ألسنة المؤمنين المجاهدين، وصاروا قدوة حسنة لكل المجاهدين ضد الطغيان والتعسف، ولهم بالآخرة جنة الخلد حيث النعيم المقيم. ولا غرابة في ذلك فقد أعطىٰ عمار واخوانه كلّ شيء، وقدموا أنفسهم رخيصة، وتحملوا عذاباً ما أقساه وأعظمه! فأعطاهم اللّٰه تعالىٰ حسن الدنيا وأجر الآخرة ونعيمها.
* وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا الىٰ ربّهم ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه. . . 3.
لم ينفكّ طغيان قريش وكبرياؤها يلاحق هذه الفئة المؤمنة، بعد أن عجزت كلّ محاولاتها وأساليبها القذرة في إطفاء نور الرسالة وإخمادها. فبدأوا بأسلوب آخر: أن اطرد يا محمد هؤلاء «عمار وصهيب وبلال وخباب. . .» فنجلس معك وقد نتبعك. كم لهذا الموقف من شبه بموقف قوم نوح حيث قال زعماؤهم وكبراؤهم: ما نراك اتبعك إلّاالذين هم أراذلنا بادي الرأي 4.
فلعلّ هدف مشركي قريش أو بعض المؤلفة قلوبهم لم يكن إلّازرع بذرة الشقاق بين محمد وأصحابه، إذا ما طردهم من مجلسه ليجلس زعماء قريش بدلاً منهم، وكم لهذا الموقف من أثر علىٰ نفوسهم وهم يرون معذِّبيهم مقدمين في مجلس رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله وهم مبعدون عنه، وكم ستكون ذلتهم كبيرة وقاسية عليهم؟ ! وهل هذه مكافأتهم، وهل هذا جزاء صمودهم وثباتهم؟ !