140قوسه ورمى غير غرضه، فأكثر الحز وأخطأ المفصل، فخذله قومه وأدركه يومه، فمات بحوران طريداً غريباً، والسلام.
فكتب إليه قيس بن سعد - رحمه الله -: أما بعد، فأنما أنت وثن ابن وثن من هذه الأوثان، دخلت في الإسلام كرهاً، وأقمت عليه فرقاً، وخرجت عنه طوعاً، ولم يجعل الله لك فيه نصيباً، لم تتقدم بإسلامك (أو لم يقدم إسلامك) ولم يحدث نفاقك، ولم تزل حرباً لله ورسوله، وحزباً من أحزاب المشركين، فأنت عدوّ الله ورسوله والمؤمنين من عباده؛ وذكرت أبي، ولعمري ما أوتر إلاّ قوسه، ولا رمى إلاّ غرضه، فشغب عليه من لاتشق غباره، ولاتبلغ كعبه، وكان امرءاً مرغوباً عنه، مزهوداً فيه؛ وزعمت أني يهودي ابن يهودي، ولقد علمت وعلم الناس أني وأبي من أنصار الدين الذي خرجت منه، وأعداء الدين الذي دخلت فيه وصرت إليه، والسلام.
فلما قرأ معاوية كتابه غاظه وأراد إجابته، فقال له عمرو بن العاص: مهلاً إن كاتبته أجابك بأشد من هذا، وإن تركته دخل فيما دخل فيه الناس، فأمسك عنه؛ وانصرف قيس بمن معه إلى الكوفة. 1بيعته لمعاوية!
إضافةً لما سبق من القول فإني لم أجد خبراً أو روايةً تثبت أنّ قيساً بايع معاوية رجاء رحمته أو خوفاً من عذابه، وبقي على عهده الذي قطعه على نفسه بقوله: «إني حلفت أن لا ألقاه إلاّ وبيني وبينه الرمح أو السيف» وفي رده على معاوية كما يحمله خبر آخر أنه لما قدم على معاوية ليبايعه كما بايع أصحابه، فقال معاوية: وأنت يا قيس تلجم علي مع من ألجم؟ ! أما والله كنت أحب ألاّ يأتي هذا اليوم إلاّ وقد أصابك ظفر من أظفاري موجع! فقال له قيس: وأنا والله قد كنت كارهاً أن أقوم في هذا المقام، فأحييك بهذه التحية.
فقال له معاوية: ولِمَ؟ وهل أنت إلاّ حبر من أحبار اليهود؟ فقال له قيس: وأنت يا معاوية كنت صنماً من أصنام الجاهلية، دخلت في الإسلام كارهاً، وخرجت منه طائعاً.
فقال معاوية: أللهم غفراً، مد يدك. فقال قيس: إن شئت زدت وزدت. 2ولكنه بايع نزولاً عند رغبة الإمام الحسن (ع) واستجابةً له كما نراه في الأخبار.
في معجم رجال الحديث، قال الكشي: جبرائيل بن أحمد وأبو إسحاق حمدويه وإبراهيم ابنا نصير قالوا: حدثنا محمد بن عبد الحميد العطار الكوفي عن يونس بن يعقوب عن الفضل غلام محمد بن راشد، قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: «إنّ معاوية كتب إلى الحسن بن علي (ع) أن أقدم أنت والحسين بن علي وأصحاب علي، فخرج معهم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، وقدموا الشام فأذن له معاوية وأعد لهم الخطباء، فقال: يا حسن قم فبايع، فقام فبايع، ثم قال للحسين (ع) : قم فبايع، فقام فبايع، ثم قال: يا قيس قم فبايع فالتفت إلى الحسين (ع) ينظر ما يأمره فقال: يا قيس إنه إمامي يعني الحسن (ع)» .