135بل صار يدعو الإمام (ع) إلى عزله قائلاً: يا أميرالمؤمنين! أعزله، فوالله لئن كان هذا حقاً لا يعتزل لك إن عزلته.
وأظنّ عبد الله بن جعفر ومن قد يكون معه، قد اقتنع حين لم يتمرد قيس على إمامه، بل أطاع أميرالمؤمنين (ع) ، فلبى أمره حين استبدله بمحمد بن أبي بكر وهو أخ لعبد الله بن جعفر من أمه أسماء بنت عميس التي كانت زوجة لجعفر بن أبي طالب وبعد استشهاده تزوجها أبو بكر، ثم الإمام علي (ع) ، وإن غضب قيس كما ورد، فلا أظن غضبه إلاّ لمصلحة عليا أدركها ولم يدركها غيره حتى من بعض أصحاب الإمام (ع) ، الذين خفيت عليهم حكمة ما قام به قيس، وقد تكون مكيدة معاوية قد انطلت عليهم وأقلقتهم، ووسائل إعلامه التي تهدف إلى ضعضعة وتمزيق الساحة قد تركت أثرها، فخشيت هذه الثلة المؤمنة، فبادرت إلى الإمام ليضع حلاً، ولعل أميرالمؤمنين (ع) رأى أنّ المصلحة تقتضي تبديله، لحسم الخلاف في الساحة، ودفع القلق والاضطراب عنها، والتفرغ للاستعداد لمعركة صفين وهي قادمة لا محالة.
إذن لم ير معاوية وصاحبه عمرو بن العاص إلاّ الكيد لقيس، فلعلهما ينجحا في النيل منه و تشويه سمعته عند أصحاب الإمام وعند العامة من الناس والجند. . ، إن لم تستطع زعزعت مكانته عند الإمام (ع) ، الذي ازداد تمسكاً به في مواطن أخرى.
وأما قيس فقد تلقاه وهو عائد إلى المدينة حسان بن ثابت وكان عثماني الهوى فقال له: نزعك علي بن أبي طالب، وقد قتلت عثمان فبقي عليك الإثم، ولم يحسن لك الشكر! فقال له قيس بن سعد: يا أعمى القلب والبصر، والله لولا أن ألقي بين رهطي ورهطك حرباً لضربت عنقك، أخرج عني.
وقيس حتى في هذا كان لا يريد اشغال الساحة بنزاعات جانبية تحول دون تحقيق النصر على معاوية، . . ولم يكن حسان وحيداً في موقفه، بل هو يحكي تياراً يترقب أي خلل في ساحة علي (ع) ، لا فقط ليشمت بل ليوسعه ويعمقه؛ وحتى لايترك مبرراً لأعلام معاوية أن يكيد ويملأ الساحة بأقوال وأباطيل مضللة راح يلقيها هنا وهناك؛ بادر قيس وهو يردف قوله: "والله إنّ هذا لقبيح، أن أفارق علياً وإن عزلني، والله لألحقن به" بالقدوم على علي (ع) ، يصحبه سهل بن حنيف، فخبره قيس، فصدقه علي. . وعرف أنّ قيس بن سعد كان يقاسي أموراً عظاماً من المكايدة. . ، فأطاع علي قيس بن سعد في الأمر كله.
وفي رواية أنّ أم المؤمنين أم سلمة أرسلت إلى قيس تلومه وتقول: فارقت صاحبك، قال: أنا لم أفارقه طائعاً هو عزلني، . . فكتبت إلى علي تخبره بنصيحة قيس وأبيه في القديم والحديث. . . فكتب علي إلى قيس يعزم عليه إلا لحق به. فقال: والله ما أخرج إليه إلاّ استحياء، وإني لأعلم أنه مقتول؛ معه جند سوء لا نية لهم، فقدم على علي، فأكرمه، وحباه؛ فأخبره قيس بخبره، وما كان يعمل بمصر، فعرف علي أنّ قيساً كان يداري أمراً عظيماً من المكيدة التي قصر عنها رأي غيره. وأطاع علي قيساً في الأمر كله، وجعله على شرطة الخميس الذين كانوا يبايعون على الموت. . وشهد هو وسهل بن حنيف معه صفين. 1إذن ما إن عزل عن ولاية مصر حتى التحق مع الإمام علي (ع) في معركة صفين، وقد أدرك معاوية الدور الجديد لقيس وبينه بوضوح، وهو يتغيظ على كل من مروان والأسود بن أبي البختري، اللذين كما في الخبر