105ليس هذا فحسب، بل إنه يصحّح الصحيح منها, ويؤكده بتحقيقه بالوسائل العلمية, والنقول المتوافرة لديه, ويضعّف الضعيف منها بأسلوب علمي موضوعي، الأمر الذي يقوي الثقة في اعتماد كتاباته, والتسليم بها, ليس غريباً من الإمام تقي الدين الفاسي، فهو محدث، فقيه، تولى القضاء بمكة المكرمة، دوّن في كتابه ما دوّن من حقائق، بحاسة العالم الذي يحمل أمانة علمية، ينبغي أن يؤديها على وجهها الأكمل، وقد فعل رحمه الله تعالى، فأدى الأمانة بكل صدق وإخلاص.
تجلى هذا فيما ذكره تحت العنوان السابق في صفحات عديدة يصعب نقلها كاملة هنا، و لكن يتمّ الاقتباس لأجزاء منها بما يتفق و أهداف هذا البحث؛ لتقديم صورة واضحة عن هذه الأماكن المأثورة المتواترة لاحقاً عن سابق، في تواتر علمي سليم، بل إنّ هذا يعدّ من خصائص المدرسة التاريخية المكيّة بالتسلسل من الإمام الأزرقي، نزولاً إلى الإمام تقي الدين الفاسي، و قد جاء العرض على النحو التالي:
«هذه الأماكن مساجد, و دور, و جبال, و مقابر, و المساجد أكثر من غيرها, إلاّ أنّ بعضها مشتهر باسم المولد, و بعضها باسم الدار، والمقصود ذكره هنا ما اشتهر من ذلك بالمساجد. . . فمن ذلك:
1. مسجد بقرب المجزرة الكبيرة من أعلاها على يمين الهابط إلى مكة, ويسار الصاعد منها, يقال: إنّ النبي (ص) صلّى فيه المغرب على ما وجدت بحجرين فيه:
أحدهما بخط عبد الرحمن بن أبي حرمى، وفيه: أنه عمر في رجب سنة ثمان وثمانين وخمسمائة؛ و في الآخر أنه عمر في سنة سبع وأربعين وستمائة.
ثم ذكر مساحة هذا المسجد، والمسافة بينه وبين جدار باب بني شيبة، ثم أردف ذلك بقوله: " وحدّد ذلك بحضوري أيضاً. . " , وفي تحقيق هذا الموقع يرد على من يقول: إنه الموقع الذي بايع النبي (ص) الناس عنده يوم الفتح فيقول:
«ويوهم بعض أهل العصر أنّ هذا المسجد هو المسجد الذي ذكر الأزرقي أنّ عنده قرن مسقلة عند موقف الغنم, وأنّ النبي (ص) بايع الناس عنده يوم فتح مكة، على ما يقال، وسبب هذا التوهم أنّ المسجد الذي ذكرنا ذرعه، وشيئاً من خبره يلحق بجبل، و عنده الآن سوق الغنم، وليس هذا التوهم صحيحاً؛ لأنّ الجبل الذي عنده هذا المسجد، هو المشرف على المروة، ويسمى جبل الديلمي، على ما ذكره الأزرقي، وهو في شق معلَّى مكة الشامي، وقرن مسقلة الذي أشار إليه الأزرقي، ذكره الأزرقي في شق معلَّى مكة اليماني.
2. و من ذلك مسجد فوقه يقال له: مسجد الراية: وعرفه بذلك المحب الطبري في (القرى) , وهو من المساجد التي صلى فيها النبي (ص) على ما يقال، كما ذكر الأزرقي، وذكر أنّ عبد الله بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بناه، و كان فيه لوحان مكتوبان: أحدهما كوفي لايعرف، والآخر فيه أنّ المستعصم العباسي أمر بعمله في شعبان سنة أربعين وستمائة، وعمره في أوائل سنة إحدى وثمانمائة الأمير قطلبك الحسامي المنجكي، ثم ذكر مساحته ثم عددها إلى أن قال: " وكان تحرير ذلك بحضوري". 13. ومن ذلك مسجد بسوق الليل قرب مولد النبي (ص) يقال له المختبا: يزوره الناس كثيراً في صبيحة اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول من كل سنة، ولم أر من ذكره، ولا عرفت شيئاً من خبره.