130وللأسف الشديد لم يبق لعمر الأطرف قبر ظاهر ومعروف في ينبع، وهذا ما أكدته إحدى الدراسات الجادة والمعنية بتعيين وتوثيق مراقد وقبور أعلام المسلمين، وذلك بإمكانية وجدوى الكشف عن قبر عمر الأطرف بينبع وتعيينه، إذ انتهى مؤلفها إلى نتيجة مفادها: «واليوم لم يعرف قبر بارز معنون حسب تتبعنا ووقوفنا على كثير من أقوال المؤرخين وأهل السيرة» (67) .
المبحث الثاني: الأحاديث والروايات التي رواها عمر الأطرف وقيمتها العلمية
تنوعت الأحاديث والروايات التي رواها عمر الأطرف، حتى عد من الرواة الأوائل (68) ، فشمل هذا التنوع مناحي عدة؛ من ذكره الأحاديث النبوية التي تضمنت أحكامه وسننه، والإشادة بدور والده الإمام علي (ع) في مسار الدعوة الإسلامية ومناقبه فيها؛ إلى ذكر ما سمعه من أبيه عن أحداث السيرة وحياة صاحبها (خاتم الأنبياء محمد (ص)) ، ومن ثم الرواية للكلمات والأخبار التي قالها أبوه (الإمام علي (ع)) في الحوادث التي عاصرها، والمواقف التي مرت به، إذا ماعلمنا أن عمر قد لازم أباه في حلّه وترحاله حتى أيامه الأخيرة (69) ، مع العلم أن مجمل الأحاديث والروايات التي رواها عمر لم تكن بحجم ما نقله الرواة والمحدثون من بقية إخوته (الحسن والحسين (عليهما السلام) ومحمد بن الحنفية) ، وذلك راجع إلى عمره الصغير قياساً بهم، فهو كما لاحظنا سابقاً أصغر ولد علي (ع) من الذكور (70) .
فضلاً عن ذلك، نجد اقتصار الرواة عنه على أولاده وأهل بيته فقط، إذْ إن طريق رواياته يتشعب من أولاده وأحفادهم إلى بقية الناس وليس إلى الناس مباشرة، وهذا مما يدفعنا إلى القول: إن عمر لم يكن من أصحاب الحلقات، فضلاً عما كان يعرف عنه من حدّة المزاج، والتي توضحه مواقفه التي ذكرناها آنفاً، وما ذكره أحد النسابة من أحفاده في صفاته التي كان فيه بأنه كان ذا لسان (71) .
وربما لم يكن عمر يرغب بالشهرة والبروز في الحياة العامة، وهذا مادفع بعض المحدثين إلى الشك في مصداقية روايته للأحاديث المنسوبة روايتها إليه - بالرغم من توثيقهم لشخص عمر فقالوا: «عمر بن علي بن أبي طالب، تابعي ثقة» (72) - لأنها لم تأتِ معظمها بزعمهم إلا من طريق واحد، فضلاً عن شكهم في وثاقة الناقل لتلك الأحاديث والروايات من أحفاد عمر الأطرف (عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي) والتي كانت معظم الروايات ترجع إلى طريقه، إذ قال فيه ابن حبان (354ه-) : «يروي عن أبيه عن آبائه أشياء موضوعة لا يحلّ الاحتجاج به كأنه كان يهم ويخطيء حتى كان يجيء بالأشياء الموضوعة عن أسلافه فبطل الاحتجاج بما يرويه لما وصفت» (73) ، ويضيف في مكان آخر في تقييمه للمجموع المنسوب لعيسى من أحاديث آبائه: «أخبرنا بهذه الأحاديث كلها إسحاق بن أحمد القطان، قال: حدثنا يوسف بن موسى القطان قال: حدثنا عيسى بن عبد الله قال: حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده علي بن أبي طالب، في نسخة كتبناها عنه أكثرها معمولة» (74) .
إن وراءهذا التضعيف والإسقاط لأحاديث عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي عن آبائه من قبل بعض المحدثين غايات ومقاصد عدة، إذ نجد عيسى المبارك - وكما يلقب -(75) ، من المهتمين بجمع الأحاديث النبوية التي قيلت بفضائل ومناقب أهل البيت (عليهم السلام) وجده أمير المؤمنين علي (ع) ، ومثالب أعدائه ومناوئيه، فضلاً عن كونه من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم (عليهما السلام) ، ومقدماً عندهم، وراوٍ لأحاديثهم (76) ، حتى في بعض المواقف نجده يسأل الإمام الصادق (ع) عن الإمام بعده واهتمام الصادق (ع) بسؤاله (77) ، فضلاً عن تعاطفه مع الثورات التي قام بها العلويون في العصر العباسي، إذ نجده يرثي قتلى وقعة فخ سنة (169ه-) ويشنع على أعدائهم والذين ناصبوا العداوة لأهل هذا البيت (78) .