166كانت الآية السابقة: يٰا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبٰاتِ وَ اعْمَلُوا صٰالِحاً إِنِّي بِمٰا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ 1، فتُصُوّر أنّ الخطاب الثاني جاء استمراراً للخطاب الأوّل، في حين أنّ ما أشرنا إليه وما سيأتي يمنع عن توجّه هذا الخطاب للأنبياء.
ثانياً: إن هذا المعنى يلزم منه أن تكون الآية اللاحقة حديثاً عن الأنبياء أنفسهم؛ فإذا كان الله يخاطب الأنبياء ويقول لهم: إنّ هذه أمتكم أمّة واحدة واعبدوني، ثم يقولون: إنهم تمزّقوا وتفرّقوا، فهذا يعني أن الأنبياء هم سبب التفريق، فليلاحظ السياق جيّداً، وهو معنى غير محتمل قرآنياً كما هو واضح.
ثالثاً: إنّ هذا التفسير يعارض آيات أخرى نصّت على أنّ البشر كانوا أمّة واحدة لولا الاختلاف الذي حصل بينهم، وأنهم سيظلّون مختلفين إلى ما شاء الله، فهذا يعني أنّ وحدة البشرية - قرآنياً - أمرٌ غير مستقر، وأن الاختلاف هو الحاكم، فكيف يخاطب الأنبياء ويقول لهم: إنّ البشر أمة واحدة؟! قال تعالى: كٰانَ النّٰاسُ أُمَّةً وٰاحِدَةً فَبَعَثَ اللّٰهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتٰابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّٰاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ .. 2، وقال: لِكُلٍّ جَعَلْنٰا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهٰاجاً وَ لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وٰاحِدَةً وَ لٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مٰا آتٰاكُمْ .. 3، وقوله: وَ مٰا كٰانَ النّٰاسُ إِلاّٰ أُمَّةً وٰاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا... 4، وقال: وَ لَوْ شٰاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّٰاسَ أُمَّةً وٰاحِدَةً وَ لاٰ يَزٰالُونَ مُخْتَلِفِينَ 5، وقال: وَ لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وٰاحِدَةً وَ لٰكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ... 6.
من هنا، نستعبد هذا الاحتمال في تفسير الآية الكريمة من حيث مرجع الإشارة فيها.