258
أولاً: إن الآية كانت في آخر حياة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله وقد تكون الأخيرة أو آخر ما نزل من القرآن الكريم، فقد انتقل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله إلى جوار ربه تعالى بعد واحد وثمانين يوماً أو اثنين وثمانين يوماً من نزولها.
ثانياً: إنه أمر نازل من السماء، وليس لرسول اللّٰه صلى الله عليه و آله أي علاقة في صناعته لا من قريب ولا من بعيد. صحيح أن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله «وَمٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ * إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ» 1. وأنه لا يؤسّس قراراً أو حكماً من نفسه ما لم يأته وحي السماء وأمرها وكيف ينشئ حكماً أو أمراً دون إرادة السماء «وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنٰا بَعْضَ اْلأَقٰاوِيلِ * لَأَخَذْنٰا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنٰا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمٰا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حٰاجِزِينَ» 2.
لكن هذا التأكيد الوارد في الآية له ما يبرره، وهو أن الآية والأمر الوارد فيها فيه مجال أو مساحة يتحرك فيها المتقولون والمتشككون الذين يلقون بدلوهم تقولاً وتشكيكاً فيما تريده الآية، وهم كثر في وقت نزولها. . . ولهذا راحت الآية تبعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله كما هوواضح من أسلوبها، عن أيمسؤولية وتبعة في تحمل ما جاءت به وليس له دور إلا في تبليغها وتبليغها فقط. ومع هذا لم ينجو من الاتهام. .
ثالثاً: إنه أمر مهم جداً وليس أمراً فرعياً أو جزئياً بل هو بدرجة أن عدم تبليغه يساوي عدم تبليغ الرسالة كاملة بما بذله النبي صلى الله عليه و آله طيلة ثلاث وعشرين سنة أو تزيد، وبما تحمّله من تضحيات جسام منه صلى الله عليه و آله وممن معه.
رابعاً: إن هناك في الآية خطاباً أو شرطاً وجزاء يتصف بأنه شديد اللهجة « وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ» ولا يخلو هذا من تهديد للرسول صلى الله عليه و آله اذا ما تأخر في تبليغ ما أنزل أو امتنع لأيسبب كان، يأتي الجزاء وهو يحمل تهديداً ووعيداً يتمثل في «فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ» أيإن لم تفعل ذلك فلك ما يوجب كتمان الوحي أو الرسالة كلها من العقاب، وهو شيء خطير.