124لوعده تجاه أبيه، حيث تقول الآية الشريفة: «واغْفِرْ لِأَبي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ» .
وقد فسّر بعض المفسرين هذا العمل دعاءاً ظاهرياً، حيث تشير تكملة الدعاء المذكور إلى كونه (أي الأب) كان ضالاً، وأنّه لن يُفلح يوم القيامة: «إِلاَّ مَنْ أَتَى اللّٰه بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» .
وتخبرنا الآية الشريفة (114) في سورة التوبة أنّ إبراهيم وبعد تأكّده من إصرار أبيه على الكفر والضلال، تبرّأ منه قائلاً: «مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوكَانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * ومَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوللّٰه تَبَرَّأَ مِنْهُ» .
وتتضمّن تلك الآيات شواهد وقرائن تدلّ على حدوث كلّ تلك الأمور في بداية حياة النبيّ إبراهيم عليه السلام، حيث تشير التكملة في الآية الشريفة قائلةً: «رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وأَلْحِقْني بِالصَّالِحِينَ» 1.
و يُخبرنا القرآن الكريم أنّ إبراهيم عليه السلام لما اعتزل قومه و تبرّأمنهم، و هبهاللّٰه سبحانه الذريّة «فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ ومَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّٰه وَهَبْنَالَهُ إِسْحَاقَ ويَعْقُوبَ. . .» 2.
إلا أنّ النبيّ إبراهيم عليه السلام وفي أواخر سنيّ عمره الشريف، وبعد بنائه للكعبة الشريفة، دعا لأبيه إذ قال: «الْحَمْدُ للّٰهالذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ» ؛ «رَبَّنَا اغْفِرْ لِي ولِوَالِدَيَّ. . .» 3.
وبالاستناد إلى ما قيل، يتضح لنا بجلاء أنّ الشخص الأوّل الذي أطلق عليه لقب (الأب) يختلف عن الشخص الثاني الذي سُمي ب (الوالد) ، وذلك لأنّ القرآن يُخبرنا بصريح العبارة بأنّه ليس من صفات الأنبياء أن يدعو للكفار، وأنّ الاستغفار الذي قام به إبراهيم عليه السلام عندما كان في مُقتبل العُمر لم يكن إلا عن موعدة وعدها