221
وفصَّصوا خواتمهم بحبَّات اللؤلؤ، ولبست النساء القرشيات الخُمُر، والجلابيب، والخلاخل ، والأساور واستعملن الطيب، وكان لمترفيهم مجالس للسمر، والقصص، والفكاهة، والتلذذ بالفواكه، والخمور، وسماع الغناء، وسواها من علائم التحضر والتمدن 1.
ويفهم من ذلك كله: أن المكيين كانوا يعرفون جميع هذه المعاني الحضارية معرفة من اختلط بها، واندمج فيها، لأنه لا يخطر ببال عاقل أن يكون القرآن قد خاطبهم بما لا يفهمون، بل إن في خطابه لهم بهذا الشكل ما ينطق بأنهم في تلك الفترة قد أخذوا بأسباب الحضارة بالمفهوم السائد في وقتهم، وليس في ذلك ما يدعو إلى الاستغراب والدهشة، فالمكيون كانوا يضربون في مناكب الأرض تجاراً:
بين الشام واليمن، والعراق، ومصر، والحبشة، وفارس، والهند، وغيرها من بلاد اللّٰه، يشاهدون المعالم الحضارية آنذاك في كثير من أرقى حضارات العالم، فتناقلوا أخبارها، وحاولوا تقليدها، فظهر أثر هذا التقليد في ملابسهم، وبيوتهم، وبدا واضحاً في معاملاتهم ومختلف جوانب حياتهم، ومما يروى في ذلك، على سبيل المثال فقط: أن عبداللّٰه بن جدعان زار العراق، فدخل بعض قصور الفرس، فأكل عندهم، وكان مما أكله (الفالوذج) ، وهي نوع من الحلوى لم تكن معروفة عند العرب، تصنع من العسل والسمن، والبُر، ولب التمر، فتعجب منها ومن طيبها، فسأل عنها فوصفت له، فابتاع غلاماً يصنعها، وأخذه معه إلى مكة، وصار يصنع هذه الأكلة، ويؤكلها للناس في حومة البيت، حتى اشتهر أمرها، وممن أكلها الشاعر أمية بن الصلْت، فقال مادحاً لها ولصاحبها:
له داعٍ بمكة مُشْتَعِلٌ