153فكيف يفرط بنفسه وعاقبته؟ !
قرآن ينزل، آيات تتلى، كلمات رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله تتردّد هنا وهناك، صنوف من التعذيب يصبّه مشركو قريش على المؤمنين، تهديد ووعيد، محاصرة، . . . أكلّ هذه الأُمور لم تجد في قلب أبي طالب لمسة خير، ومنعطفاً لإيمانه. . ؟ ! إنَّ هذا لشيء عجاب! فأبو طالب صاحب هذه الحياة المضيئة كيف يسوّغ لنفسه أن يموت غير مؤمن بما سمعه من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، ولم تكن على قلبه غشاوة، ولطفُ اللّٰه لا شك قريب من هؤلاء الذين يملكون قلباً كقلب أبي طالب، وشهامة كشهامة أبي طالب، وحلماً كحلم أبي طالب، قطعاً تدركه رحمة السماء وقد سارع الى اعتناق الرسالة من هو أدنى منه رتبةً وأقلّ منه صفاءً وعطاءً؟ !
فهكذا إنسان هذه حياته بدءاً وخاتمةً، لا يستسيغ المنطق الرشيد ولا العقل السديد أن يُتهم بتهمة العزوف عن اللّٰه ورسالته، ليعيش كافراً ويموت كافراً، وهو صاحب الضمير الحي والقلب النابض عاطفةً وحبّاً وحناناً. . .
إنّ من يقرأ حياة هذا الرجل، يخرج بنتيجة عظيمة وحصيلة كبيرة، لا يجد لها مثيلاً في حياة أقرانه ومعاصريه، بل لا يجدها حتى عند من جاؤوا بعده، اللّهمّ إلّا عند النخبة التي اصطفاها اللّٰه وحباها برعايته واختياره، وارتضاه قدوة صالحة للمؤمنين، وهذه قلّة قليلة تمثّلت بأهل بيت العصمة والطهارة، وعليٌّ سيّدهم.
النتيجة تلك والحصيلة أنّ أبا طالب مات مسلماً مضحياً مجاهداً، لم يُراوده شك أبداً في أحقية رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله وما هو عليه من مبادئ السماء، دلّني على من هو أكثر تضحيةً وتحملاً وصبراً وحكمةً وجهاداً من أبي طالب، وهو يعيش الأيام الأُولى والسنين الأول للتأسيس، والتأسيس من أخطر وأدق مراحل الدعوة الإسلامية خاصةً وهي تعيش في تلك الظروف، وذلك المجتمع الذي كان التعامل معه مريراً وقاسياً بما يمتلكه من طبقيّة وعادات وتقاليد وموروثات تجذّرت في ترابه وفي نفوس أبنائه، فكيف يمكن انتشالهم من هذا الواقع المرير؟ !