123على الإطلاق وأفضلهم وأشرفهم وأعظمهم من الأوّلين والآخرين، فبه بزغ نور سرعان ما انتشر في الآفاق، حتى أضاءت له مشارق الأرض ومغاربها، فغدت الدنيا نيّرة بآيات اللّٰه تعالى، التي حملها، رحمةً للعالمين - داعياً الى اللّٰه، بشيراً ونذيراً - شاخصةً بالعزّ والشموخ، نابضةً بالحياة، التي غدت تضجّ بين جنبات ذلك المجتمع السادر في غيّه وشركه، الضال عن الصراط، الغارق في آلامه ومشاكله، وعدوانيته وغزواته، وظلمه وطغيانه، ولهوه وترفه. . . فوردت كلّ مفاصله ونواحيها؛ لتقلبه رأساً على عقب، وتخلق منه أمّةً تأمر بالمعروف وتنهى عن المُنكر، وزخرت بعطاء دائم وخير عميم، ما انفكّت الأجيال المتعاقبة تنتفع منه وتقتطف ثماره ما دام ليل وبقي نهار، لا يعرف النضوب أبداً، ولا يحدّه شيء، ولا ينتهي بأمد، ظلّ معينها يتجدّد وعطاؤها يتّسع، وكيف لا يكون كذلك وهو عطاء السماء، الذي منّ اللّٰه به على رسوله صلى الله عليه و آله؛ لتباركه على يديه، فينضج كلّ ما بذره، ويدوم طويلاً، ويخلد ما شاء اللّٰه له الخلود والبقاء. . .
أبو طالب والنور اليتيم:
هذا النور العظيم اليتيم منذ ولادته، راحت قلوب طيبة تحتضنه، وأيدٍ مباركة ترعاه، يد جدّه عبدالمطلب الذي تشرّفت برعايته واحتضانه، ثمّ كانت يد عمّه (أبو طالب) شيبة بني هاشم، شيخ قريش وزعيمها، وسيّد قومه، الذي انطوت نفسه على خصال كريمة كلّها شموخ وإباء وشهامة وعزّة. . .
فكان الكافل المدافع الذابّ عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، والذي أحاطه بعناية عظيمة ورعاية قلّ نظيرها، خاصة إذا عرفنا مكانته في قبائل قريش وبين زعمائها، وما سبّبه ذلك من إحراج له، وضيق وأذًى. . . ومع هذا كلّه، فقد صبر أيما صبر دفاعاً عن محمّد ورسالته، حتى أنّ قريشاً لم تكن قادرةً على أذى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله مع عظيم رغبتها في ذلك، وكانت تتحين الفرص للإيقاع به، لكنها لم تستطع حتى توفي أبو