275مودّع، وإن تكلّم فلا يتكلّم بما يضطرّه للاعتذار، وإن تعامل مع إخوانه كان اليأسُ شعاره ممّا في أيديهم، فقد كانت القناعة ديدنه وسلوكه المتميِّز، فهو بين عابد مودّع قتله الشوق لمولاه، وبين عازف إلّامن رحمة اللّٰه تعالى، وبين مقاتل ملأت قلبه الرحمة حتّى على أعدائه الذين هم أعداء الدين والحقّ، فتراه يوعظهم ويناديهم بلسان عطوف قبل أن يهزّ رمحه وينتشل سيفه ليجد له موقعه في أعداء اللّٰه.
ولا ريب في ذلك وقد راح ينتهل من معِين النبوّة الصافي، ومن صحبة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، كان يستمع لنبيّ الرحمة صلى الله عليه و آله ويعي ما يسمع، قال له: «إذا صلّيت فصلِّ صلاة مودّع، ولا تكلّمنَّ بكلام، تعتذر منه. . والزم اليأس ممّا في أيدي الناس» .
هذا في عبادته، وأمّا في شجاعته فقد كان شعاره - رضوان اللّٰه عليه - انفروا خفافاً وثقالاً فلم يتخلّف عنه، في بدر وأحُد والخندق، وفي كلّ المعارك والمشاهد التي خاضها، والتي كان لها دور واضح في معالم حياته، فقد ملأت عليه كلّ وجوده ولم تترك له وقتاً يبعد به عن الأسنّة والرماح، أو يأخذ قسطاً من الراحة بين أحبّته ولمشاغله الخاصّة.
كانت حياته رضوان اللّٰه عليه همّاً متواصلاً للإسلام ولدعوته المباركة، يترفّع عن الفتن الصغيرة والمطامع الزائفة، محلّقاً بناظريه إلى حيث الهدف الأعلى الذي يُرضي اللّٰه ورسوله.
لقد وهب أبو أيّوب الأنصاري حياته وماله وحشاشة قلبه للجهاد في سبيل إعلاء كلمة الإسلام، ولا يهمّه من يكون على رأس قيادة الجيش، وشعاره (ما عليَّ مَن استعمل عليَّ) ، ما دام الهدف هو الإسلام ودعوته، فكان مع مكانته العالية لا يريد أن يعيش إلّاجنديّاً تحت راية لا إله إلّااللّٰه، وأن يعيش مأموماً لا إماماً؛ لهذا تراه لا يبغي عنواناً بقدر ما يأمل أن ينال الشهادة في سبيله تعالى، وأن يرزقه اللّٰه خير الدنيا وخير الآخرة، فراحت بطولاته تتجلّى في كلّ معارك الإسلام