266الأنصار إلّادعاه أهلها إلى النزول عندهم، وقالوا له: هلمّ يا رسول اللّٰه إلى العدد والعدّة والمنعة، فيقول لهم صلى الله عليه و آله: «خلوا زمامها فإنّها مأمورة» حتّىٰ انتهى إلىٰ موضع مسجده اليوم، فبركت علىٰ باب مسجده، وهو يؤمئذ مربدٌ لغلامين يتيمين من بنيالنجار في حجر معاذ بن عفراء، يقال لأحدهما سهل وللآخر سهيل ابنا عمرو ابن عباد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، فلمّا بركت لم ينزل عنها رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، ثمّ وثبت فسارت غير بعيد، ورسول اللّٰه صلى الله عليه و آله واضع لها زمامها لا يَثنيها به، ثمّ التفتت خلفها، ثمّ رجعت إلىٰ مبركها أوّل مرّة، فبركت فيه ووضعت جرانها، ونزل عنها رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، فاحتمل أبوأيّوب رحله، فوضعه في بيته، فدعته الأنصار إلى النزول عليهم، فقال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: المرءُ مع رحله. فنزل علىٰ أبيأيّوب خالد بن زيد بن كليب في بني غنم بن النجار. . . وسأل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله عن المربد لمن هو؟ فأخبره معاذ بن عفراء، وقال: هو ليتيمين لي، سأُرضيهما.
فأمر به رسول اللّٰه أن يبنى مسجداً، ونزل علىٰ أبيأيوب، حتّىٰ بنىٰ مسجده ومساكنه. وقيل: إنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله اشترىٰ موضع مسجده ثمّ بناه.
وقد أعقب هذه الرواية بما قاله أنس بن مالك: كان موضع مسجد النبي صلى الله عليه و آله لبني النجار، وكان فيه نخل وحرث وقبور من قبور الجاهليّة، فقال لهم رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: ثامنوني به، فقالوا: لا نبتغي به ثمناً إلّاما عند اللّٰه.
فأمر رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله بالنخل فقطع، وبالحرث فأفسد، وبالقبور فنبشت. . .
وتولّى بناء مسجده صلى الله عليه و آله هو بنفسه وأصحابه من المهاجرين والأنصار 1.
فقد شاءت السماء أن يكون جوار مبرك هذه الناقة مسجداً عظيماً، ثاني الحرمين الآمنين بعد مكّة المباركة، ومدرسة للقرآن وعلومه، وموضعاً يحكم فيه بين العباد وترسم فيه مناهج السياسة وخطط الحرب. . إنّه بقعة مباركة طالما كانت مكاناً آمناً وملتقىً عظيماً تهفو إليه قلوب المؤمنين، يتحلقون حول رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يبلغهم ما توحيه السماء من آيات مباركة وأحكام تنظيم حياتهم، ويملأ قلوبهم إيماناً