194ضبط ومعرفة واقع الظاهرة وحركيّتها، كما تحصل في التاريخ، بكلّ أبعادها وبكلّ تناقضاتها المعاشة في مرحلة تاريخيّة محدّدة. وبذلك نكون قد اقتربنا من إمكانيّة صياغة استنتاجات مقاربة ومعبّرة عن واقع التجربة أو الظاهرة موضوع الدراسة.
إنّ هذا الجهد يسمح للمسلمين بمواجهة أنفسهم، عبر مواجهة تجربتهم التاريخيّة الخاصّة بالتحليل والتقييم. فالتجربة التاريخيّة للمجتمع الإسلامي ليست ذات طابع مقدس، كما أنّها بالمقابل ليست تجربة منحرفة خارجة على المرجعيّة التوحيديّة. فممّا لا شك فيه أنّ التجربة التاريخيّة للمجتمع الإسلامي مرجعها الأساسي النموذج التوحيدي، أمّا فيما يتعدىٰ ذلك فإنّ هذه التجربة تجاذبتها نماذج اختلالية عدّة (الملك، القهر، الفساد، الظلم، العصبيّة. . .) ، والتعمّق في فهم أبعاد وخلفيات هذا الواقع يفسح المجال واسعاً لاستخلاص الدروس الفكريّة والمنهجيّة والسياسيّة بما يخدم متطلبات النهضة الإسلاميّة المعاصرة علىٰ طريق تواصلها مع النموذج التوحيدي، وتصفية أسباب الاختلال والتحلل العائدة إلىٰ تجربتها الخاصّة قبل أيّ شيء آخر. فمع قناعتنا الكاملة بأنّ الوضعيّة الراهنة للمسلمين تتحكّم بها أساساً علاقات السيطرة الدولية، إلّاأنّ مشروع النهضة الإسلاميّة يجد نفسه مسؤولاً في آن واحد عن مواجهة المستعمر ومواجهة الاختلالات العائدة إلى التجربة التاريخيّة الإسلاميّة. إنّ وضع اليد علىٰ نقاط الضعف والانحراف لا يضرّ الإسلام بشيء، بل يحرّر المسلمين من كثير من الأوثان والانحرافات التي لازمت تجربتهم التاريخيّة الرائدة، والتي أوجدت فيها ندوباً سمحت لمشاريع القهر الخارجيّة بالنفاذ وإيجاد التربة الملائمة لتأسيس قواعد سيطرتها داخل المجتمع الإسلامي نفسه.
الحجّ ظاهرة عالمية
عند كلّ ديانة من الديانات، أماكن مقدّسة يؤمها أتباع الديانة وفق تقاليد وطرق وآداب محدّدة وفي مناسبات مختلفة، فالديانات اليهوديّة ومن بعدها الديانة