104ولم يكن الأئمّة عليهم السلام ليتركوا هذه الفريضة في إطارها الشكلي فقط، بل حرّكوا مضمونها ومقاصدها، إذ قال الإمام الصادق عليه السلام: «الحجّ حجّان:
حجّ للّٰهوحجّ للناس، فمن حجَّ للّٰهكان ثوابه على اللّٰه الجنّة، ومن حجَّ للناس كان ثوابه على الناس يوم القيامة» 1.
أمّا الإمام الباقر عليه السلام فقد كان أكثر جرأة على أولئك الذين يكتفون بالشكل وينسون المحتوىٰ، أو يهتمون بالإطار ويتجاهلون المضمون، فقال سلام اللّٰه عليه:
«لئن أعول أهل بيتٍ من المسلمين وأشبع جوعتهم وأكسو عُريهم وأكفّ وجوههم عن الناس، أحبّ إليّ من أن أحجّ حجّة وحجّة وحجّة حتى انتهى إلى عشرة ومثلها ومثلها حتى انتهى إلى سبعين» 2.
وعن عبد الرحمن بن كثير قال:
حججتُ مع أبي عبداللّٰه عليه السلام، فلمّا صرنا في بعض الطريق، صعد على جبل فأشرف فنظر إلى الناس فقال: ما أكثر الضجيج وأقلّ الحجيج 3!
وهكذا فصلَ أئمّتنا عليهم السلام بين الحج كهدف والحج كوسيلة، وكيف جعل بعضهم إغاثة ملهوف أفضل من الطواف حول الكعبة مثلاً، وجعلوا حرمة المؤمن أفضل من حرمة الكعبة، بل ترك إمامنا سيّد الشهداء الحسين عليه السلام الحجّ حين عزم على الرحيل إلى كربلاء لطلب الإصلاح في أمّة جدّه بعد أنْ شعر أنّ حدود اللّٰه قد ديست وأنّ حرمات المؤمنين قد انتُهكت فقال قولته الشهيرة: «إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا ظالماً ولا مفسداً وإنّما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمّة جدّي رسول اللّٰه، لآمر بالمعروف وأنهىٰ عن المنكر» وخاصة بعد أن شخّص - سلام اللّٰه عليه - تجاوز الدعيّ حدود اللّٰه، فأضاف:
«اللّهم إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا منافسة في سلطان ولا التماساً لفضول الحطام، ولكن لنردّ المعالم من دينك ونظهر الإصلاح في بلادك ويأمن المظلومون من عبيدك ويُعمل بفرائضك وسننك وأحكامك» .
وهذا ما يريده المصلحون على امتداد العهود والأزمان، بل ما أراده اللّٰه