101آخر، وفي كلمة وصفية، يعالج الإمام علي عليه السلام الضعفاء من المسلمين ويُداريهم مداراة نفسية غاية في الدقّة، فيلمس جُرحهم ويلتمس لضعفهم عذراً، ويترك الباب مفتوحاً، لمن يرىٰ نفسه مؤهّلاً يوماً ما لخطوة متقدّمة في الجهاد مثلاً فيقول - سلام اللّٰه عليه -:
«والصلاة قربان كلّ تقي، والحجّ جهاد كلّ ضعيف» 1.
أي أنّه - سلام اللّٰه عليه - يريد أن يستوعب الفقير الذي لا مال لديه يتقرّب به إلى اللّٰه، فيجعل الصلاة بديلاً لهذا القربان أو عوضاً لمن لا يستطيع أو لا يملك مالاً يبذله في سبيل اللّٰه أو ينفقه على عيال اللّٰه. ويستوعب الضعيف كذلك الذي لا يقوىٰ على الجهاد فجعل له الحجّ جهداً أو جهاداً يبذله مقابل الجهاد الذي ينوء بأدائه لضعفه أو استضعافه.
وفي هذا لمسة نفسية أو حالة تربوية لمن يُريد أن يحتفظ به في دائرة العطاء الصغرىٰ تمهيداً للدائرة الأوسع التي فيها بذل وتضحية بالأموال والأنفس، وهي الدرجة التي امتدحها القرآن الكريم وأثنىٰ على رجالها في قوله عزّ من قائل:
الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل اللّٰه بأموالهم وأنفسهم أعظم درجةً عند اللّٰه 2.
الحجّ دين ودنيا
ومن تلمّس هذه الإشارات في أقوال وحِكَم الإمام علي عليه السلام ودراستها والتأمّل فيها نرى أنّ الحجّ سياحة وجهاد، تجارة وعبادة، ترويح وعمل، وبه ومن خلاله يمكن تعبئة الفرد المسلم روحياً وتحشيد المسلمين في مؤتمر عبادي جهادي تجاري قلّما يتوفّر مثله لدين أو مذهب أو أتباع دين. . . ومن هذا الملتقى المليوني الذي يفرضه الدين الإسلامي على أتباعه تتحقّق أغراض عديدة يلتقي بعضها مع أحدث ما توصّل إليه علم النفس المعاصر في ضرورة ترويح النفس عبر السفر والسياحة وما فيها من تجربة مضافة وعلم مضاف ومستأنف، وهذا ما تسعى لتطبيقه العديد من الدول المعاصرة حين تفرض على رعاياها أو تمنحهم منحة سنوية تحت هذا العنوان، أي أنّها تحرّضهم على السفر والعودة