251وإذا تتبعّنا سيرة عمر نجده لم يعهد إلى الإمام عليه السلام منصباً في ولاية أو إمرة جيش أو في أي مجال آخر، وكان هذا شأنه مع الكثير من المهاجرين، ومع ذلك كان يستخلفه على المدينة، وخصوصاً في الوقائع التي يشترك فيها الخليفة أو المتوقّفة على اشتراكه، فقد استخلفه على المدينة في سنة 14ه، وفي سنة 15ه، وفي سنة 18ه(18) .
واستخلافه على المدينة يعبّر عن ثقة عمر به، وشهادة له بالإخلاص للإسلام وللدولة الإسلامية، وإيماناً منه بتقدير المصلحة الإسلامية العليا، والعمل الدؤوب من أجل تحقيق وحدة الدولة والأمّة.
الاستعانة بالإمام عليه السلام في المجال العسكري
كان عمر بن الخطّاب يستعين بأصحاب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله حينما يريد اتخاذ موقف معيّن، وكان اختصاصه بالإمام علي عليه السلام أكثر من غيره، وكان الإمام عليه السلام لا يبخل بإبداء توجيهاته وملاحظاته وكان مخلصاً في النصيحة ما دامت مصلحة الإسلام هي العليا.
فحينما شاوره في الخروج إلى غزو الروم، نصحه بعدم الخروج بنفسه، وقال له: «إنّك متىٰ تسر إلى هذا العدوّ بنفسك؛ فتلقهم فتنكب لا يكن للمسلمين كهف دون أقصىٰ بلادهم، ليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلاً محرباً، واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهر اللّٰه فذاك ما تحبّ، وإن تكن الاُخرىٰ، كنت ردءاً للناس ومثابة للمسلمين» (19) .
وفي غزوة نهاوند نصحه بالبقاء في المدينة وإبقاء أهل الشام وأهل اليمن في بلدانهم خوفاً من هجوم الروم والحبشة عليهم من الخلف أو فراغ بلدانهم من الرجال، وكان الرأي الأمثل هو الاستعانة بثلث أهل البصرة وثلث أهل الكوفة، وممّا جاء في نصيحته: «. . . إنّ الأعاجم إن ينظروا إليك غداً قالوا: هذا أمير العرب وأصل العرب، فكان ذلك أشدّ لكلبهم وألبتهم علىٰ نفسك» (20) .