127القاعدة الفكرية للدولة، وإن شاركت مجتمع الدولة في حقوق المواطنة (2) .
ويطول المقام لو سمحنا لأنفسنا استعراض الشواهد المؤكّدة على هذا المنحىٰ، بيد أننا سنقتصر، لأسباب منهجية، على نموذج واحد، هو الإمام علي عليه السلام، لما يمثِّله من موقع متقدّم في الدعوة؛ سابقة، وريادة، وأسوة، وما يعزّز ذلك شهادات الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله بحقّ الإمام علي عليه السلام: «أنا وأنت يا عليّ أبوا هذه الاُمّة» ، «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها» (3) .
وقد أرسى الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله هذا النهج الرسالي، بكلّ ما يتّسم به من سعة صدر، وامتداد اُفق، واستعداد للاستيعاب، وفيما يرويه الصحابي جابر ابن عبداللّٰه: «لما قسّم رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله غنائم هوازن بين الناس بالجعرانة، قام رجل من بني تميم فقال:
- اِعدلْ يا محمّد!
- فقال صلى الله عليه و آله: «ويلك! ومنْ يعدلْ إذا لم اُعدلْ؟ ! لقد خبت وخسرت إنْ لم أعدلْ!» .
فقال عمر بن الخطّاب: يا رسول اللّٰه، ألا أقوم فأقتل هذا المنافق؟ !
فقال صلى الله عليه و آله: معاذ اللّٰه أن تتسامع الاُمم أنّ محمّداً يقتل أصحابه» (4) .
وجاء الإمام علي عليه السلام ليكرِّس هذا المنهج الربّاني والخصال النبوية، في حقبة هبّت عليها أعاصير الأهواء ولواقح الفتن، وهو ما سنستعرض بعض جوانبه:
الإمام علي عليه السلام النموذج المتألّق
ولئن كان بعض الصحابة يعدّون مشايخ الإسلام «فإنّ علي بن أبي طالب هو ابن الإسلام البار، والوريث للشريعة، وهو أقضى الصحابة، وأقدرهم على الحكم بما أنزل اللّٰه، نشأ علي في بيت النبوّة وتفتح في صباه على الإسلام، وقد أتاه اللّٰه عقلاً ذا ملكات فريدة، فشرب الإسلام وتكوّن عقله على فهمه ومعرفة أحكامه وخباياه.
وكان شأنه شأن نبي اللّٰه يحيىٰ حيث أتاه اللّٰه الحكم صبيّاً . فكان رغم صغر سنّه بين الصحابة أقدرهم على معرفة أحكام الإسلام. وقد قال ابن الخطّاب:
«لولا علي لهلك عمر» ، حيث كان إذا استشكل عليه أمر من أمور الدين لجأ